قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل) . كون المطيع يستحق الجزاء سواء أطاع بالتوحيد أو بغيره، يعني بالعبادة على جهة العموم، كون المطيع يستحق الجزاء يعني والثواب (هو استحقاق إنعام وفضل وليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق) . يعني ليس فيه قدرٌ زائد، ومعلوم أن الحق وإثبات الحق يدل على إيجاب شيء، فيه إيجاب شيء كأنه ملزم بذلك، هذا في شأن المخلوق مع المخلوق، حينئذ هل الرب جل وعلا يُعَبَّرُ في حَقِّه وجانبه بهذا التعبير أم لا؟ بعضهم يرى أنه لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق، إذًا ردُّوه إلى الوفاء بالوعد، ليس فيه شيء زائد على مجرد الوعد، وهذا ليس الأمر كذلك، بل الرب جل وعلا قد يكتب على نفسه بمعنى أنه يُوجب على نفسه كما قال جل وعلا {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] ومعلوم أن كتب بمعنى أوجب، وأصرح من هذا قوله في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» . واضح هذا؟ «وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» . حينئذ إذا أوجب الرب جل وعلا على نفسه شيئًا نقول: هذا واجب. هكذا نطلق العبارة، وكونه هو الذي أوجب على نفسه نقول: هذا من جهة الفضل والإنعام والْمِنَّة على الخلق، وليس ثَمَّ إيجاب من جهة المخلوق على الخالق، لو كان من جهة إيجاب المخلوق كما ادعاه المعتزلة فهذا فيه محظور، كيف يوجب المخلوق على الخالق؟ هذا محال، ولكن كونه هو الذي أوجب ابتداء وانتهاء وهو الذي كتب وهو الذي أحق فحينئذ لا تعارض، وعقيدة أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا جاء {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} نقول: الرب جل وعلا كتب على نفسه أوجب على نفسه الرحمة لمن عمل سوء .. إلى آخر الآية، وكذلك هنا ( «حق الله على العباد» ) فالله عز وجل هو الذي أحقَّه وهو الذي أوجبه فلا تعارض بين النصوص ولا مخالفة لِمَّا قَعَّدَهُ أهل السنة والجماعة من حيث إثبات الصفات على القاعدة المطردة عندهم.
قال هنا: فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق. وهذا أشبه ما يكون بالتأويل، لماذا؟ لأنه صرف للفظ عن ظاهر.
وظاهره يدل على شيء زائد على مجرد الوعد، فحينئذ نقول: هذا أشبه بالتأويل. (ولكن أكثر الناس يُثبتون استحقاقًا زائدًا على هذا) . نعم، وهذا هو الحق كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ، {حَقًّا عَلَيْنَا} عدَّاه بعلى تأكيد، الحق من حيث هو قد يدل على الوجوب، يُفهم منه الوجوب، وهو يرادف الوجوب عند بعضهم وقد ذكرناه فيما سبق من ألفاظ الوجوب عند بعض الأصوليين، وتأكيده إذا عُدِّيَ بعلى، وهذا واضح بَيِّن {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} من الذي أحقَّه الله عز وجل؟، حينئذ نقول: لا إشكال فيه.
لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة. هكذا يقول: ابن تيمية، (أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الحق لم يوجبه عليه مخلوق) . وإذا قلنا بهذا حينئذ لا إشكال، فنثبت ما أثبته النص ونقول: حق على الله عز وجل الذي أحقَّه على نفسه هو كذا وكذا، وكتب على نفسه وأوجب على نفسه الرحمة، وحرَّم على نفسه الظلم فهو حرام على الله عز وجل بتحريمه هو إياه على نفسه، ولا تعارض بين هذا وذاك، والمعتزلة يَدَّعُون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، هذا بناء منهم على مسألة خلق أفعال العباد، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب وغَلِطُوا في ذلك.
إذًا مذهب المعتزلة باطل فلا يَرِدُ على هذا النص وما أشبهه إذا أثبت الرب جل وعلا شيئًا من هذه الألفاظ التي قد يستنكرها البعض كيف يجب على الله؟ وكيف يحق على الله، وكيف يُكْتَبُ على الله أو يحرم؟ نقول: نُثبت ما أثبته النص، ما لم يأت حينئذ الأصل العدم، ولقد أحسن من قال:
ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع