قوله: ( «قلت: الله ورسوله أعلم» ) إذًا النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقى المسألة على معاذ بهيئة السؤال من أجل إحضار قلبه وأن يكون مستوعبًا لِمَا سيُذْكَرُ له. لَمَّا قال له: «أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله» ؟ قلت [أي معاذ] : الله ورسوله أعلم»). ( «الله ورسوله» ) ، ( «الله» ) مبتدأ ( «ورسوله» ) معطوف عليه، و ( «أعلمُ» ) هنا خبر المبتدأ، ولا شك أن أعلم أفعل تفضيل اسم التفضيل، واسم التفضيل على تقدير المعنى مِنْ، أعلم من كذا، وهنا لم يُثَنِّ لمطابقة الخبر للمبتدأ مع كون المبتدأ في المعنى اثنين، ( «الله ورسوله» ) اثنان، أعلم لم يُثَنِّ لأن أفعل التفضيل إذا لم يُضَف وكان نكرة فحينئذ وجب توحيده وتذكيره، أن يكون نكرة وأن يكون مفردًا التوحيد بمعنى
وإن لمنكور ٍ يضف أو جرّدا ... ألزم تذكيرًا وأن يوحّدا
أُلْزِم يعني أفعل التفضيل، تذكيرًا بأن يكون مذكرًا، وأن يوحّدا حينئذ لا إشكال، هو جرى على سَنَن لغة العرب، إذًا ( «الله» ) مبتدأ ( «ورسوله» ) معطوف عليه، و ( «أعلم» ) خبر المبتدأ، وأفرد الخبر هنا مع أنه لاثنين لأن أفعل التفضيل إذا كان على تقدير (مِنْ) وهو نكرة ولم يُضف حينئذ يلزم الإفراد والتذكير على حد قول ابن مالك
وإن لمنكور ٍ يضف أو جرّدا ... ألزم تذكيرًا وأن يوحّدا
والمعنى: ( «الله ورسوله أعلم» ) من غيرهما أو أعلم مني، وهذا فيه حسن الأدب من المتعلم لأنه يحتمل أن معاذًا يعلم، ولكنه قال: الله أعلم لئلا يحرم نفسه شيئًا قد يكون ماذا؟ لم يُرِدْه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لو قال: نعم أعلم. قد يكون الفائدة التي أضمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما ذكره معاذ حينئذ من حسن الأدب إذا سُئل: أن يقول: الله أعلم، وهذا إذا كان يعلم فمن باب أولى وأحرى إذا كان لا يعلم، لأنه يأت بطامة إذا كان لا يعلم ثم يجيب، نقول: هذا اجتهاد باطل مردود على صاحبه.
إذًا فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سُئل عما لا يعلم أن يقول ذلك يعني أن يتعلم الله ورسوله أعلم، لذلك قال عليّ: ما أبردها على قلبي. يعني يُسأل الشيء يقول: لا أعلم، الله أعلم.
وَمَنْ كَانَ يَهْوَى أَنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا ... وَيَكْرَهُ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهْ
ومالك بن أنس رضي الله عنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري، وكذلك الإمام أحمد: ما أكثر أن يقول: لا أدري. وهذا خُلُق ينبغي أن يتنبه له طالب العلم، يعني يُسأل يوم السبت والأحد مع أهله مع إخوانه وأصحابه ويكون: كل مسألة يُجيب عليها يتهم نفسه لأنه لا بد أن يعرض له ما لا يعلمه، وعلى أقل الأحوال ما يشك فيه، وإذا شكّ فيه حينئذ لا ينبغي له لا يجوز له أن يُفتِيَ بشيء مشكوك فيه، بل لابد أن يكون شيئًا متيقنًا.
قال: ( «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» ) . وهذا واضح بين وهو المناسبة لهذا الباب. ( «حق الله على العباد أن يعبدوه» ) ، عبادته، صحيح؟ ( «أن يعبدوه» ) عبادته، ( «حق الله على العباد» ) مبتدأ، وخبره (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر عبادته، يعني أن يتذللوا له بالطاعة، وسبق معنا تعريف العبادة لغة وشرعًا، وإذا قيل: يتذللوا له بالطاعة صار على جهة العموم، لأن الطاعة عامة، وأعظم الطاعات التوحيد لأنها شاملة للأوامر والنواهي، أي يتذللوا له بالطاعة وأعظم الطاعة التوحيد، فالمعنى أن يُوَحِّدُوه بالعبادة وحده ولا يشركوا به شيئًا. وسبق أن هذا التركيب كذلك فيه عمومان:
-عموم من حيث الشرك قليله وكثيره، لقوله: ( «ولا يشركوا» ) ، وكذلك الْمُشْرَكُ به لقوله: ( «شيئًا» ) فكل منهما نكرة في سياق النفي أو النهي حينئذ يكون من صيغ العموم. إذًا ( «ولا يشركوا به شيئًا» ) لا قليلًا ولا كثيرًا لا شركًا أكبر ولا أصغر ولا خفيّ، لا يُشرك به ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ما ذُكِر. وهذا فيه عموم من حيث الشرك نفسه ومن حيث الْمُشْرَك به. وهذا الحق حَقّ واجب لأن المرسلين كلهم إنما بعثوا من أجل تحقيق هذا الحق وبيانه والدعوة إليه، وأنه أوجب الواجبات على العباد.