قوله: ( «ولا يشركوا به شيئًا» ) . قال في (( التيسير ) ): وفائدة هذه الجملة بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة كما ذكرنا سابقًا في قوله في الآية السابقة: ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) قلنا: دلالة الاقتران هنا معتبرة، وهي أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح العبادة إلا باجتناب الطاغوت اجتناب الشرك، حينئذ إذا وُجِدَ الشرك في العبادة أفسدها وأبطلها كما يُفسد الحدث العبادة، لو دخل الحدث وهو يُصلي متطهر نقول: فسدت عبادته، لماذا؟ لأنه أبطلها بالحدث، كذلك الشرك إذا دخل العبادة فحينئذ أفسدها وأبطلها صارت باطلة، لماذا؟ لأن شرط صحة العبادة الإسلام، أليس كذلك؟ لا تصح عبادة إلا من مسلم موحد، وإذا لم يكن مسلمًا موحدًا فحينئذ لا تصح منه العبادة، وما قدْ يَرِدُ في كتب بعض أهل العلم ذكرناه مرارًا أنه قد تُسَمَّى عبادة المشركين عبادة نقول: هذا باعتبار ظنه هو، أما في الشرع فلا، ليس عندنا عبادة إلا ما جاء بها الشرع، والذي جاء به الشرع العمل الصالح، والعمل الصالح يُطلق على العمل ظاهرًا وباطنًا، وأما التقسيم أن يكون في الظاهر على عبادة، وفي الباطن ولو كان خلالًا، نقول: هذا ليس له أصل.
إذًا إذا دخل الشرك العبادة أفسدها، لماذا؟ لأنها صارت باطلة، فكل عبادة إنما تصح لكونه موحّدًا مع سائر الشروط، وأما إذا انتقى التوحيد حينئذ لا تُسمى عبادة، ولو سماها بعض أهل العلم عبادة نقول: هذا باعتبار ظن العابد، أو من باب التجوز، وأما العبادة الشرعية فلا، ومنه البدع كذلك لا نقسم العمل كما ذكرناه وهذا يُنْسَبُ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من أحدث مولدًا قد يثاب على نيته، وبعضهم يتبجح ويجعل هذا الأصل كأنه دليلًا شرعيًّا ويعتمده في مثل هذه المسائل، نقول: الصواب الرجوع إلى الكتاب والسنة. وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا - ظاهرًا وباطنًا - أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» . حينئذ يكون العمل باطلًا، إذا كان في الظاهر متعبدًا لله عز وجل بطوافٍ أو نحوه، وفي الباطن ليس مخلصًا لله عز وجل فهو مردود هذا من حيث الشرك، ومن حيث البدعة وكذلك يدخل فيه الشرك قوله - صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . حينئذ تبعيض العمل لكونه في الظاهر مخالف وهو بدعة، ولكونه في الباطن قد نَوَى الْحُسْنَ ونحو ذلك يثاب على باطنه لا على ظاهره نقول: هذا يحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن دليل حينئذ رجعنا إلى الأصل، فحينئذ من ابتدع المولد وعَمِلَ ولو كان محبًّا في قلبه نقول: هذه المحبة قد تكون عامة وقد تكون خاصة، والكلام في المحبة الخاصة المرتبطة بهذا العمل، حينئذ نقول: هذه المحبة المرتبطة بهذا العمل وهو إحداث المولد هل هي محبة شرعية أم لا؟ نقول: محبة شرعية مقيدة بالإتباع، والمحبة العاطفية هذه ليست مقيدة بالإتباع، والذي جاء به الشرع هو الأول لا الثاني، حينئذ إذا أحدث بدعة وادَّعَى المحبة نقول: هذه المحبة ليست هي المحبة الشرعية، لماذا؟ لأنه لم يتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا العمل فقد أحدث بدعة، لو ادَّعَى أنه محب نقول: كَذَبْتَ، لأنك لو كنت محبًّا للنبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة العموم أو على جهة الخصوص في هذا المولد لكنت متبعًا له بترك هذا العمل، وأما التجزئة نقول: هذا يحتاج إلى دليل، يُثاب على باطنه المحبة، نقول: هذه المحبة ليست شرعية حتى يثاب عليها أولًا، ثم لو ادُّعِيَ أنها محبة شرعية نقول: هي باطلة لقوله النبي - صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا» . عَمِلَ، والعمل يطلق على العمل مركب ظاهرًا وباطنًا.
إذًا المراد بهذا الحديث أن العبادة إذا لم تكن معتمدة وأساسها التوحيد فهي باطلة، سميناها عبادة أو لا؟ نقول: هذا من باب التجوز أو باعتبار ظن العابد، وكذلك البدعة نقول: هي بدعة وهو آثم لبدعته ظاهرًا وباطنًا، وأمَّا أنه يأثم لكونه أحدث ويثاب على باطنه نقول: هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل، فترجع إلى الأصول، فلا يُتخذ مثل هذا الكلام حجة في الرد على من بَدَّعَ المولد ونحو ذلك.