هنا قال في (( التيسير ) ): وفائدة هذه الجملة ( «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» ) الإشكال هنا إن صح أنه إشكال ( «أن يعبدوه» ) بمعنى أنهم يوحِّدوا الله عز وجل ولا يصدق هذا التركيب إلا لمن انتقى الشرك في حقّه. إذًا لماذا يُنَصُّ على نفي الشرك؟ نقول: هذا من باب التنصيص على ما دخل ضمنًا في السابق، أن يقال فيه: أنه من باب التنصيص على ما دخل في سابقه ضمنًا. لأن تحقيق العبادة لا يكون إلا بماذا؟ إلا باجتناب الشرك ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) ، إذا ادَّعَى أنه عابد لله لا بد أن يكون قد كفر بالطاغوت علمًا اعتقادًا وعملًا كما سبق، حينئذ إذا لم يجتنب الشرك فالعبادة باطلة، فدلّ قوله: ( «أن يعبدوه» ) على اجتناب الشرك، إذا نص عليه نقول: هذا لا تعارض، لماذا؟ لأنه قد يُنَصُّ على شيء دخل في سابقه إما التزامًا وإما من جهة المفهوم.
إذًا قوله: ( «ولا يشركوا به شيئًا» ) فائدة هذه الجملة بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة. إذًا من باب التنصيص على شرط من شروط صحة العبادة وهو مجانبة الشرك، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله بل مشرك، نعم، يعني إذا لم يتجنب الشرك لا يكون العبد آتيًا بعبادة الله عز وجل لأنهما شيء واحد، ليس عندنا عَبَدَ الله عز وجل ثُمَّ وقع في الشرك، نقول: هو عابد لله مع وقوعه في الشرك، هذا لا وجود له البتة، ولذلك انتفاء النوعين كذلك لا وجود له، ألا يعبد ولا يشرك نقول: هذا غير وارد لا وجود له، لماذا؟ لأن التلازم بين التوحيد والشرك تلازم في الانتفاء أو في الوجود؟ في الوجود أو في الانتفاء العدم؟ يعني هل يجتمعان؟ لا، هل يرتفعان؟ لا، إذا التلازم بينهما وجودًا وعدمًا، لا يوجد عندنا موحد وعنده قدر من الشرك إلا الشرك الذي لا يُنافي أصل التوحيد وهو الشرك الأصغر مثلًا في بعض صوره، أما شرك أكبر وموحد فلا يجتمعان، مشرك شرك أكبر وعنده توحيد نقول: لا يجتمعان، توحيد وشرك معًا لا يجتمعان، ليس موحدًّا ولا مشركًا، لا يجتمعان، لماذا؟ لأنه إذا انتفى التوحيد بكماله من القلب كان ولا بد من وجود الشرك، لأن أعمال القلوب متلازمة وجودًا وعدمًا، إذا انتفى الإخلاص لا بد وأن يوجد التعلق بغير الله عز وجل، إذا انتفى الخوف من الله عز وجل لا بد وأن يخاف غير الله، إذا انتفى التوكل على الله عز وجل من أصله لا بد وأن يتوكل على غيره شاء أم أبى، أما أنه لا يتوكل على الله ولا على غيره هذا لا وجود له إلا في الأذهان وعلى جهة التَّنَزُّل. إذًا قال هنا في (( التيسير ) )وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله بل مشرك، وهذا هو معنى قول المصنف في (( المسائل ) ): إن العبادة هي التوحيد لأن الخصومة فيه، وفيه معرفة حق الله على العباد وهو عبادته وحده لا شريك.
إذًا ( «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» ) . وعرفنا أن قوله: ( «ولا يشركوا به شيئًا» ) فيه تحقيق انتفاء الشرك بحذافيره قليله وكثيره كبيره وصغيره، لا يُشرك به لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. قوله: ( «أن يعبدوه» ) أي يوحدوه ويفردوه بالعبادة، وهذا هو التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس من أجله كما سبق في الآية الأولى. قوله: ( «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» ) . إذا عرفنا أن ثَمَّ حقَّيْنِ:
-حق لله على العباد وهو التوحيد عبادته بالإخلاص، ولا يصح دعوى التوحيد إلا بشرط وهو اجتناب الشرك بحذافيره.
-حق العباد على الله إذا فعلو ذلك. يعني حققوا التوحيد. ما فضل التوحيد إن أتوا به؟ قال هنا: ( «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» . انظر عندنا: عندنا عمومان:
( «لا يُعذِبَ» ) . ( «لا» ) نافية، ويعذبَ فعل مضارع منصوب بأن، وتوسطت ( «لا» ) هنا بين ( «أن» ) والفعل ولا يضر، حينئذ ( «يعذبَ» ) هذا فعل مضارع منسبك من مصدر وزمن، والمصدر نكرة حينئذ يعم، يعم ماذا؟ أنواع العذاب كلها، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لا في القبر، ولا يوم المحشر فهو عام، إذا هذا عموم من حيث نفي العذاب ( «أن لا يعذب من لا يشرك» ) ، ( «من لا يشرك به شيئًا» ) إذًا نفي العذاب على جهة الإطلاق بمعنى أنه عام في جميع أنواع العذاب إنما هو لفئة خاصة ( «أن لا يعذب من لا يشرك» ) ، يعني من جانب واجتنب الشرك بحذافيره على ما ذكرناه سابقًا.