فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 2014

حينئذ هذا العموم قيد في هذا العموم، لأن قوله: ( «أن لا يعذب» ) ليس مطلقًا وإنما هو لطائفة خاصة، قال: ( «من» ) اسم موصول بمعنى الذي، ما حكم من لا يشرك به شيئًا؟ إذًا من حق انتقاء الشرك وهذا لا يكون إلا بتحقيق التوحيد على أكمله، وسيعقد المصنف بابًا خاصًّا في تحقيق التوحيد لا يكون نفي العذاب على جهة الإطلاق إلا لهذا النوع. إذًا ( «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» ) البتة لا يقع له نوع عذاب لا في الدنيا ولا في الآخرة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: اقتصر على نفي الإشراك هنا ( «أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» ) وهذا لا إشكال فيه، استشكلوه وهو موافق لقوله تعالى ( {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) قلنا: هنا دل بدلالة الاقتضاء على التوحيد، لأن نفي الشرك يستدعي ماذا؟ إثبات التوحيد، وكذلك لو أثبت التوحيد عبادة الله تعالى حينئذ تُحَرِّمُ صاحبها على النار. نقول: هذه لا بد من تقييد. وهو إنها لا تتحقق إلا باجتناب الشرك، فإذا ذُكِرَ أحد النوعين استلزم الآخر كالشأن في الشهادتين [أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله] إذا أُثبت أحدهما حينئذٍ تستدعي الثانية بالاقتضاء، وهذا دلالة الاقتضاء ثابتة في لسان العرب فلا إشكال، فيحمل هذا النص على تلك الآية، كما أنه ذكر هناك بأن الله تعالى أمره ( {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) حينئذ استدعى التوحيد بالاقتضاء كذلك هنا يستدعي التوحيد بالاقتضاء.

قال الحافظ: اقتصر - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفي الإشراك هنا لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء كما سبق في آية الأنعام، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، لأن كلما يكفر به لا بد من إدخاله، لماذا؟ لأن نفي العذاب هنا ثواب أُخْرَوِي حينئذ ( «أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» ) ولو أنكر جبرائيل؟ ولو لم يؤمن بالقضاء والقدر؟ ولو كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ ولو كفر جميع الصحابة؟ حكم عام؟ أم أنه يدل على ذلك بالاقتضاء واللزوم، بمعنى أنه لا يعذب من لا يشرك به شيئًا يعني جاء بالتوحيد وكذلك لم يأت بمناف لكل أصل من أصول الدين الذي يَخْرُجُ به من الملة، طوعًا.

إذًا كلها مترابطة، إما أن يُنَصّ عليه فتكون الدلالة دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن وهذا كذلك دلالة نص أو بدلالة اللزوم، وكلها يخدم بعضها بعضًا، والمنطوق كما هو عند أهل الأصول قد يكون منطوقًا صريحًا، وقد يكون مأؤولًا بالصريح، يعني ليس بصريح، في معنى الصريح. إذًا يستدعي إثبات الرسالة باللزوم إذ من كَذَّبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كَذَّبَ الله وهذا واضح بَيِّن، ومن كَذَّبَ الله فهو مشرك، وهذا بناء على القول: المرجح أن الكفر والشرك بمعنى واحد لا فرق بينهما في الشرع، أو هو مثل قول القائل: من توضأ صحت صلاته. أي مع سائر الشروط، من توضأ صحت صلاته، ولو لم يستقبل القبلة؟ لا، من توضأ صحت صلاته بمعنى أنه من حَقَّقَ هذا الشرط مع سائر الشروط حينئذ صحت صلاته، ونُصّ على هذا الشرط لأهميته، أو لمناسبة المقام فيحتاج إلى التنصيص، من توضأ صحت صلاته، ولو لم يقرأ الفاتحة، ولو لم يركع، ولو لم يسجد .. إلى آخره؟ نقول: لا، ليس الأمر كذلك، وإنما هو ذكر لبعض الشروط التي يقتضيها المقام وهو الوضوء والإحالة على سائر الشروط، لأن النصوص يخدم بعضها بعضًا، وكما ذكرنا سابقًا القاعدة لطالب العلم في باب الاعتقاد وفي باب العمليات أن يجمع النصوص ويوظف - إن صح التعبير - بعضها في خدمة الآخر ولا يعارض بينها، وإنما يقول: هذه سنن أو هذه واجبات دل عليها حديث معاذ، ودل عليها جابر .. إلى آخره، وأما أن نجعل هذا معارضًا لهذا في المعارضة الظاهرة، نقول: لا، ليس الأمر كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت