فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 2014

فالحاصل أن قوله: ( «أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» ) ليس مجردًا عن العبادة فالتقدير بالاقتضاء من يعبده ولا يشرك به شيئًا وهذا مفهوم من قوله: ( «حق العباد» ) . إذًا العباد في اللفظ الثاني ليس هو مثل العباد في اللفظ الأول، ( «حق الله على العباد» ) . مطلقًا كافرهم ومؤمنهم، وأما ( «حق العباد على الله» ) هذا حق خاص ليست عامًا لماذا؟ إنما هو خاص بعبودية الطاعة المؤمنين فحسب، وأما الكافرين فلا ليس لهم حقّ، وهذا مفهوم من قوله: ( «وحق العباد» ) . إذا من كان وصفه العبودية فلا بد أن يكون عابدًا وذلك كذلك مقابل لقوله السابق ( «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» ) إذًا هذا واصح.

وأما من لم يعبد الله ولم يشرك به شيئًا نقول: هذا السؤال غير وارد، لم يعبد الله ولم يشرك به شيئًا نقول: هذا لا وجود له البتة. وقوله: ( «أن لا يعذب» ) خبر مطلق لجميع أنواع العذاب لا هو في الدنيا ولا في الآخرة ولا في القبر.

(قال معاذ:(قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس) لَمَّا سمع هذا الخبر وهو خبر مفرح إذا سمعه المسلم يُسَرّ. قال: (أفلا أبشر الناس) فيه الاستئذان، إذا سمع الشخص من شخص وقد يُؤخذ منه أنه قد يكون على جهة الخصوص يعني أخبره لا يُخبر إلا إذا استأذن، وأما يسمع وينشر الخبر هكذا من عنده كما هو ديدن البعض حتى طلاب العلم، نقول: هذا ليس على الجادة. ولذلك قال هنا: (أفلا أبشر الناس) . استأذن، يعني هذا حكم شرعي وقد يحتاجه بعض الناس هلاَّ أخبر الناس قال: ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . (أفلا أبشر الناس) هذا التركيب الجماهير لهم تأويل فيه أنه على تقدير محذوف أأسكت فلا أبشر الناس لأن عندنا شيئين:

-همزة الاستفهام.

-وحرف العطف بعدها.

وهذا محل إشكال، كيف تأتي همزة الاستفهام وهي داخلة على مفرد، ثم يأتي بعدها حرف عطف وهو عاطف لجملة على جملة، حينئذ جماهير النحاة على التقدير أأسكت فلا أبشر الناس. وخالفهم الزمخشري قال: لا، ليس في الكلام محذوف، وإنما هو على التقديم والتأخير، والأصل أن الفاء دخلت بعد دخول الهمزة أصله، فألا أبشر الناس، وهذا فيه ركاكة لأن همزة الاستفهام لها الصدراة فألا أبشر الناس، حينئذ قُدِّمت الهمزة وأصل محلها التأخير، إذًا ليس فيه محذوف وإنما هو على التقديم والتأخير، وهذا له مواضع يكون مُرَجَّحًا فيه، وبعض المواضع قد يقال بأنه نحتاج إلى تقدير ... (أفلا أبشر الناس) ، فألا أبشر الناس، هنا عدم التقدير أولى، أأسكت، ليس الأصل السكوت، وإنما الأصل هو الدعوة ونشر العلم، فالأصل الكلام، حينئذ أأسكت فلا أبشر الناس؟ نقول: لا، الأصل ماذا؟ هو بشارة الناس تبشير الناس بهذا العلم وهذه الفضيلة التي ثبتت للتوحيد، حينئذ يُرجح قول الزمخشري هنا في مثل هذا التركيب دون أن يُلجأ إلى الحذف، وعدم الحذف أولى في مثل هذه المواضع. إذًا (أفلا أبشر الناس) مثل هذا التركيب فيه قولان للنحاة:

-الأول: أنه على تقدير محذوف، والجماهير على هذا، ويقدر بين الهمزة وحرف العطف، وفي كل مقام يُقدر بما يناسبه، وفي كل موضع يُقدر بما يناسبه، وتقديره هنا أأسكت فلا أبشر الناس، جاء الفعل بين همزة الاستفهام وبين الفاء التي هي حرف عطف، حينئذ عطفت هذه الفاء ما بعدها على جملة أسكت، أأسكت فلا أبشر الناس.

-والثاني: ليس في التركيب محذوف. وهو قول الزمخشري، وإنما هو على التقديم والتأخير فأصله فألا بشر الناس، فالجملة معطوفة بالفاء على ما سبق، فالفاء أولًا ثم همزة الاستفهام ولكن هذا التركيب فيه ركاكة، نصّ على ذلك الزمخشري، وهمزة الاستفهام لها الصدارة في الكلام فلذلك قُدِّمت على حرف العطف، وهذا مثلها {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} ، {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] تجد كلام الزمخشري في مثل هذه المواضع في (( الكشاف ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت