قوله: (أفلا أبشر الناس؟) . يقال: أَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ يعني بالتخفيف والتشديد، وكذلك بالهمزة وعدمه، أَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ أخبرته بسَارٍّ يعني بخير يسره، بَسَطَ بَشْرَةَ وجهه، ولذلك سميت بشارة نسبة إلى البشرة يعني بشرة الوجه، وذلك أن النفس إذا سُرَّتْ انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، إذا سمع خبر يَسُرُّهُ، ويقال للخبر السَّارّ البشارة والبشرى {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس: 64] جاء كذلك القرآن، {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [العنكبوت: 31] وأما قوله في بعض المواضع وليس بالقليل في القرآن. ... {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} إذا البشرى والبشارة خاصة بما يُسرّ، طيب ... {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ} .. [النساء: 138] ، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3] نقول: هذه فيها بشارة. كيف نقول: البشارة خاصة بالخبر السَّارّ، وقد استعملها الله جل وعلا في شأن الكافرين، وهذا الخبر الذي يذكر لهم ليس بسَارّ؟ نقول: هذا يجاب بأحد جوابين:
-إما على سبيل التهكم بهم، وهذا أسلوب عربي وهو واضح بَيِّن ولا إشكال فيه، القول به في هذا الموضع لا إشكال فيه.
-أو يقال إنه من باب الاستعارة، وهي نوع من المجاز.
والأول كذلك نوع من المجاز لأنه استعمال للفظ في غير ما وُضِعَ له في لسان العرب لأنه كما سبق أن البشارة خاصة بالخبر السّارّ، فإذا استعمل فيما لا يَسُرّ نقول: هذا من باب التهكم يعني استخفاف بهم واستهزاء، سخرية بهم، أو يكون من باب الاستعارة، وفيه التنبيه على أن أسر ما يسمعونه الخبر بما ينالهم من العذاب، الخبر بما ينالهم من العذاب هو أسر ما يسمعونه كأنه يقال: أخف الشَّرَّيْنِ، وأخف الشرين قد يكون سرورًا على صاحبه فيكون فيه نوع استعارة وهو نوع من المجاز.
وفيه استحباب بشارة المسلم بما يسره لقوله: (أفلا أبشر الناس) .
وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا، قاله المصنف في ... (( المسائل ) ).
قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قال له معاذ: ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . لما استأذن في نشر هذا العلم بَيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا العلم خاص بك، ففيه تخصيص، وفيه جواز تخصيص البعض بعلم دون الآخرين، فيجوز حينئذٍ أن يخصَّ المعلم أحد التلاميذ بدرس خاص، ولا يأتي الآخرون يقولون: كيف تعطي فلانًا ولا تعطينا؟ نقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خصّ معاذًا هنا بفائدة تتعلق بأصل من أصول الدين وثمرة من ثمار هذا التوحيد ومع ذلك قال: ( «لا تبشرهم» ) نهاه عن أن يُبشر وأن ينقل هذا الخبر ففيه تخصيص البعض بالعلم دون بعض. قوله: ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . ( «لا» ) نافية جازمة، و ( «تبشرهم» ) هذا فعل مضارع مجزوم بلا، جزمه سكون آخره ( «لا تبشرهم» ) تخبرهم لا تنقل إليهم هذا الخبر السار فيعتمدوا فيتكلوا، فيعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في العمل، والتوكيل أن تعتمد على غيرك وتجعله نائبًا عنك، فتوكلت عليه بمعنى اعتمدته، إذًا نهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وبَيَّنَ له العلة ( «فيتكلوا» ) ، ولذلك كما سيأتي أخبر بها معاذًا تأثمًا حينئذ متى؟ إذا ظهر له انتفاء العلة، لأن هذا الحكم مُعَلَّل ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) كأنه قال: عدم أو النهي عن التبشير هنا لهذه العلة المذكورة مثل: سها فسجد، لا تُبَشِّرْ فيتكلوا، سها فسجد، إذا حصل الفعل الأول وهو السهو وترتب عليه الفعل الثاني، إذا علة السجود هو السهو، كلما وُجِدَ وُجِدَ لا تبشرهم فيتكلوا إذا نهيٌ عن التبشير وهو مُعَلَّل كلما لاحظت الاتكال أو الخوف من الاتكال حينئذ لا تُبَشِّر، وعكسه بالعكس، إذًا قد يُؤخذ من هذا ما فهمه معاذ ولو كان متأخرًا أن الحكم هنا معلل وهو خوف الاتِّكَال، إن وُجِدَت هذه العلة في المخاطب حينئذ ( «لا تبشرهم» ) . إن انتفى حينئذ على الأصل ولذلك جواز كتمان العمل كما ذكره المصنف هذا ليس على إطلاقه وإنما هو مخصوص بالمصلحة التي تقتضيها تلك المناسبة:
-إما أن تكون عامة.
-وإما أن تكون خاصة.