وهذه تختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص ونحو ذلك، وباعتبار البلدان وغيرها، قد يكون بعض العلم الأولى عدم ذكره. وفي رواية في الصحيح فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا تحرجًا من الإثم. قال الوزير أبو المظفر: لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة، فأما الأكياس الذي إذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم. ما رأيكم في هذا نقله صاحب (( الفتح ) )كذلك (( التيسير ) )، قال أبو المظفر: لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة بالطاعة؟ صحيح؟ إذا قيل: معاذ معاصر لمن للتابعين؟ كلهم، فيه تابعون، من هو التابعي؟ أدرك الصحابي، طيب من هو الصحابي؟ لقي النبي ?، طيب من كان في زمن النبي ? ورأى الصحابة ولم ير النبي ?؟ مخضرم، [تابعي؟ لا، ليس تابعيًّا مخضرم، يُسمّى مخضرم، من كان في زمن النبي ? ولو يره لما رأى الصحابة لم يدركه حتى لو رآه ميتًا، قد ذكر عن بعضهم، حينئذٍ يُسمّى مخضرمًا. على كلٍّ هذا ( «لا تبشرهم» ) ، أفلا أبشر الناس، الناس هذا يدخل فيه دخولًا أوليًّا الصحابة، لأن معاذًا معاصر للصحابة ولا شك أن هذا العلم قد خَفِيَ على بعض الصحابة، لا شك في هذا، لكن ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . أن ينسب إلى الجهل نقول: هذا فيه نظر لأن الناس وإن كان لفظًا عامًا فيشمل ويدخل فيه دخولًا أوليَّا الصحابة، وقد يدرك معاذًا تابعنا لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون مستحقًا لهذا الوصف، وأما على جهة الإطلاق فلا، نقول: هذا لا، ليس بظاهر.
قول الوزير أبي المظفر لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة بالطاعة، فأما الأكياس الذين إذا سمعوا بمثل هذا. الأكياس إذا قيل كل الصحابة أكياس، إذا سمعوا بمثل هذا ازدادوا في الطاعة إذًا لماذا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . إنما هذا النهي خاص لمن سيدركهم معاذ رضي الله عنه، فيكون الصحابة قد دخلوا دخولًا أوليًّا، وإن كانوا يتفاوتون ليس أبو بكر رضي الله تعالى عنه كغيره من الصحابة كذلك عمر، قد لا توجد فيهم هذه العلة فيتكلوا حينئذ نقول: قوله: فأما الأكياس. هذا يدخل فيه الصحابة كلهم، الذين إذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم، نقول: لا، فيه وجه، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - عَمَّمَ وقال معاذ: أفلا أبشر الناس. فدخل الصحابة دخولًا أوليًّا، ثم قال: ( «لا تبشرهم» . الضمير يعود على الناس الذين شهدوا أو سأل عنهم معاذ فيدخل فيه الصحابة دخولًا أوليًّا، وهذا الكلام لا وجه له.
وقال الحافظ: دل هذا على أن النهي للتبشير ليس على التحريم وإلا لَمَا أخبر به أصلًا، النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر به لكنه أخبر به على جهة التشريع، ولا يحرم عليه هو ألا يبشر معاذ، فالحكم هنا ليس عامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمعاذ، فلا تبشر نقول: هو بشر معاذ، أليس كذلك؟ معي؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَشَّرَ معاذًا، إذًا هل هو داخل في النهي؟ نقول: لا قطعًا لأن تبشيره هنا على جهة التشريع، وأما معاذ ونقله للخبر إلى غيره هذا تشريع خاص بمعاذ وإلا لَمَا أخبر به أصلًا أو أنه ظهر له أن المنع إنما هو من الإخبار عمومًا فبادر قبل موته فأخبر بها خاصًّا من الناس، إذا وجهان في كون معاذ خالف النهي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه قال: ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . وهو قد بَشَّرَ وتكلم بها عند موته تأثمًا خوفًا من الإثم قيل:
الوجه الأول: أنه ليس على التحريم، الكراهية، وإذا كان كذلك إذا وجدت المصلحة ارتفعت الكراهة.
الوجه الثاني: أنه ظهر له أن المنع إنما هو من الإخبار عمومًا، يعني لا تبشر الناس كل الناس، وإما بعض الناس فلا بأس به.