والظاهر والله أعلم أن كلا النوعين ليس بوارد، وإنما يقال: بأنه أدرك أن الحكم معلل ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) هذه زنها بقوله: سها فسجد. فالحكم مُعَلَّل، السجود مسبب عن السهو، كذلك النهي هنا عدم التبشير مسبب عن وجود العلة وهي الاتكال، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، قد يكون أدرك ذلك معاذ عند موته، فحينئذ زالت العلة في بعضهم وأخبره، وهذا واضح بَيِّن ولا إشكال فيه لأنه جار على القواعد. إذا قوله قلت: (أفلا أبشر الناس؟) قال: ( «لا تبشرهم فيتكلوا» ) . على ما ذكرناه خلافًا لِمَا وجهه ابن حجر رحمه الله تعالى.
(أخرجاه) يعني البخاري ومسلم في (( الصحيحين ) )وأضمر هنا المصنف للعمل بهذين الرجلين لأن (( الصحيحين ) )أعلى ما كُتِبَ بعد كتاب الله عز وجل، يعني أعلى درجةً، صحةً بعد كتاب الله عز وجل هما (( الصحيحان ) )والبخاري مقدم على مسلم.
إذا معنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أردف معاذًا أورد عليه مسألة من العلم متعلقة بالتوحيد والاعتقاد، وهي حق الله تعالى على العباد، وحق العباد على الله تعالى، وأورده بصيغة السؤال للعلة التي ذكرناها، ومعاذ تأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون فهم ذلك من النصوص العامة، ثم بَيَّن له النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومناسبة هذا الحديث للباب فيه وجوب التوحيد على العباد إذ هو حق الله تعالى على العباد.
وفيه تفسير التوحيد بأنه عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له.
في الحديث تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه جواز الإرداف على الدابة بشرط أن تطيق ذلك، يعني شخصًا أو شخصين أو أكثر.
وفيه التعليم عن طريق السؤال والجواب، وهذا لا يكون مطلقًا بعضهم أخرج العلم كله سين جيم. قل: هذا ليس فيه استدلالًا، هل أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسائل التي أطلقها كلها سين جيم أم بعضها؟ أكثرها أم قليل تُعَدّ؟ إذا لا بأس أن يُؤلف كتاب واحد في النحو سين وجيم، وتبقى البقية على ما هو عليه، وأما أن يجعل (( أوضح المسالك ) )سين جيم، و (( ابن عقيل ) )سين جيم، وسيبويه (( الكتاب ) )سين جيم، ذهب العلم، سين جيم هذه لا تعلم ولا تؤصل، وإنما هي مؤقتة يعني تذاكرها ليلة الاختبار ثم تكتب ما قد رسخ في ذهنك، ثم إذا طويت الورقة طوي العلم معها فذهب العلم، لأنه سين جيم، والتأصيل ليس على هذه الطريقة عند أهل العلم، التأصيل له طرقه، وأما أن يستدل بمثل هذه الطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من عادته أنه يسأل ويجيب، قل: ليس من عادته، إنما هو قد يقع أحيانًا لعظم المسألة ونحوها، وأما أن يكون الدين كله معلم بسين جيم ليس كذلك، لو عددت ما في البخاري يُعَدُّ على الأصابع، كذلك الذي في مسلم يُعَدُّ على الأصابع، وحينئذ لا يُستدل بالمنهج الخاص ويجعل عامًا، والعكس بالعكس، يعني لا يؤتي بمنهج عام يجعل خاصًّا لبعض دون بعض، ولا يؤتي بشيء خاص فيعمم، ولذلك إطلاق المقيد وتقييد المطلق من عنوان البدعة عند أهل السنة والجماعة، قد يكون الشيء مطلقًا فيقيد صار بدعة، وقد يكون الشيء مُقَيَّدُا فيطلق صار بدعة، وهنا لا يُنْسب، يعني نحن نرد على من يَنْسِبَ أن هذا هو منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعادته، نقول: لا، هذا كذاب ليس بصحيح، إذا أردت أن تسلك مسلكَ سين جيم في العلم نقول: هذه طريقة استحسنها المعاصرون وهي مناسبة للمعاهد والجامعات ونحو ذلك، لا إشكال فيه، فعلِّل بعلة غير شرعية، وأما أن تنسب هذه الطريقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأننا مأمورون بالاقتداء به عليه الصلاة والسلام سواء كان في التعليم، وفي طرق التعليم، في العبادة، وفي المعاملات في كل صغيرة وكبيرة، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فلو كان طريقته هذه هي المطردة عنده للزم أن نحذف هذه المختصرات ونبدأ سين جيم، واضح هذا، فلا يستدل بهذه ويجعل علة شرعية، إذًا فيه التعليم عن طرق السؤال والجواب.
رابعًا: أن من لا يعلم يقول: الله أعلم، أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك صار سنة، ويجب حينئذ إذا لم يكن عالِمًا.
خامسًا: فيه معرفة حق الله على العباد وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
سادسًا: أن من لم يتجنب الشرك لم يكن آتيًا بالعبادة حقيقة. وقد ذكرناه مرارًا.