فهرس الكتاب

الصفحة 1704 من 2014

قال: فدلَّ هذا النص على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ ولذلك قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} واعتقدوا بأنهم لم يَتلبسوا بلكفر وهذا لا ينفعهم، ما دام أنهم وقعوا في الكفر الأكبر ولم لم يعلموا أنه كفرٌ حينئذٍ حلّ عليهم الوصف، وهذا الموضع لو وقفت معه هنا لعلمت أن قاعدة العذر بالجهل في هذه المواضع من أبطل القواعد، لماذا؟ لأن الله تعالى نَزَّل الحكم عليهم مباشرةً وهم ما اعتقدوا كفرًا ولا ظنوا أنهم قد أتوا كفرًا ومع ذلك كفرهم من سابع سماء، ولم يطلب من نبيه - صلى الله عليه وسلم - إقامة حجةٍ عليهم، وإنما نزل الحكم بماذا؟ بالتكفير مباشرةً، فدلَّ على أن هذه القاعدة لا تتأتى هنا البتة، لا في هذا الموضع، ولا في ما هو أشد منه، وهو التوحيد يعني ترك التوحيد.

قال رحمه الله تعالى: فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ، فبَيَّن أن الاستهزاء بآيات الله ورسوله كفرٌ يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمانٌ ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه. إذًا اعتقدوا أنه لا يجوز لكن لم يعتقدوا أنه كفرٌ ومع ذلك حل بهم الوصف.

قوله: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} ، قال ابن كثير أي: لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم. قيل: هؤلاء الذين عفا الله عنهم، قيل: هؤلاء حضروا يعني معهم وصار عندهم كراهيةٌ لِمَا قالوا، كرهوا هذا القول، لكنهم داهنوا فصاروا في حكمهم لجلوسهم معهم، وهو كذلك، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهية، ولهذا عفا الله عنهم وهداهم للإيمان وتابوا.

قيل: إن الطائفة مخشي بن حمير عفا الله عنه، وتسمى عبد الرحمن وقيل: زيد بن وديعة والأول أشهر، ويحتمل أن الله تعالى عفا عنهما جميعًا.

إذًا المراد بالطائفة هنا التي عفا الله عنها من داهن بظاهره، لكنه كره بقلبه فعفا الله تعالى عنه، وفقه للتوبة فلم يكن مستهزئًا بقلبه. قال: {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة: 66] . بهذه المقالة الفاجرة، والباء سببية ... {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} . بين أن هذا الخوف استهزاءٌ {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . الآية تحتاج إلى تأمل لأنها ينبني عليها أصولٌ كثيرة.

مناسبة الآية للباب: أن فيها مع ما بعدها دلالة على كفر من هَزَلَ بشيءٍ فيه ذكر الله تعالى أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت