فهرس الكتاب

الصفحة 1707 من 2014

قوله: (أنه قال رجل في غزوة تبوك) لا يعنينا معرفة هذا الرجل لأنه لا ينبني عليه شيءٌ البتة، فهو مُبْهَمٌ (في غزوة تبوك) ، وكانت في سنة تسعٍ من الهجرة، ماذا قال هذا الرجل؟ قال: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء) قال في (( التيسير ) ): القراء جمع قارئٍ، وهو عند السلف الذين يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه، يجمعون بين التفسير واللفظ. قال رحمه الله تعالى: أما قراءته من غير فهمٍ لمعناه فلا يوجد في ذلك العصر. وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع.

ونقله ابن القاسم في (( حاشيته ) )فأقره و (رأى) هنا بصرية، ويحتمل أنها علميةٌ قلبية، و (مثلَ) هذا مفعول أول (ما رأينا مثل) أليس كذلك؟ (أرغبَ) هذا مفعولٌ ثانٍ، (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء) ، (قرائنا) هذا مضافٌ إليه، (هؤلاء) بدل (أرغبَ) هذا مفعولٌ ثانٍ. قال هنا: والمراد بالقراء هنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كما جاء في النص (يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه القرّاء) ماذا قالوا؟ قالوا: (ما رأينا مثلَ قرائنا هؤلاء أرغبَ بطونًا) ولفظ ابن جرير وغيره: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبُنا بطونًا، أو أرغبَنا بطونًا، أي أوسع بطونًا والرَّغْب والرَّغِيب الواسع، الرَّغْب فَعْل بإسكان الغين والرَّغِيب فَعِيل الواسع، يقال: جوف الرغيب ووادي الرغيب، يصفونهم بسعة البطون وكثرة الأكل، وهو وإن كان مذمومًا لكن المنافقون قد افتروا أعظم فرية في نسبة ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فإن الصحابة أقنع الناس، وهذا معروف من سيرتهم رضي الله تعالى عنهم، فكانوا أقنع الناس وأحسنهم اقتصادًا في الأكل وغيره، والمنافقون بالعكس، والمنافقون والكفار أوسع بطونًا وأكثر أكلًا كما صرح في ذلك الأحاديث، (ولا أكذب ألسُنًا) ، الكذب الإخبار بخلاف الواقع، والألسن جمع لسانٍ، والمراد ولا أكذبَ قولًا، واللسان يُطلق على القول كما في قوله تعالى: ... {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] . يعني بقولهم أو بلغتهم، والمنافقون أكذب الخلق كما وصفهم الله تعالى بقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] ، {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} . والصحابة عدول بالإجماع اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه وحفظه، وهم من الصدق بالمنزلة العالية والغاية التي ليس فوقها غاية رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

قوله: (ولا أجبن عند اللقاء) . هذا الوصف الثالث، إذًا وصفهم بثلاثة أوصاف وكلها كذب:

(أرغب بطونًا، وأكذب أَلْسُنًا، وأجبن عند اللقاء) .

يعني عند لقاء العدو، وقد كذبوا في ذلك، بل المنافقون هم الجبناء، ... {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4] ، وشهادة التاريخ تدل على شجاعة الصحابة كما هو معلوم من تراجمهم وسيرهم وما ظهر لهم من الشجاعة والإقدام لا يُعرف له نظيرٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت