إذًا أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب أن يبين أن كفران النعم يكون منافيًا للتوحيد، المراد في الأصل أنه منافٍ لكمال التوحيد الواجب، ونبَّه أيضًا صاحب (( التيسير ) )على أن المراد بهذه الترجمة التنبيه على أن ما يحصُل للعبد من النعم فهو مجرد فضلٍ وإحسانٍ عليه من غير استحقاقٍ من العبد لذلك، وإنما تفضل به الرب عليه جُودًا وكرمًا وإحسانًا، فلا يرى العبد نفسه أهلًا لذلك، فإنه إذا عرف نفسه وعلم ضعفها وفقرها وحاجتها وفاقتها واضطرارها إلى فاطرها ومعبودها الذي لا غناء لها عنه طرفة عين، وإن جميع النعم منه وحده منةً منه وفضلًا وجُودًا وكرمًا، وأنه لو خُلِّيَ ونفسه لَمَا قَدِرَ على شربة ماء فضلًا عن غيرها، ولكن الإنسان لظلمه وجهله لا يعلم ذلك إلا أن يتداركه الله برحمته، وإن عَلِمَ ذلك من حيث الإجمال فإنه يغيب عنه عند التفصيل، يعني يعلمه هو على جهة الإجمال، لكن إذا جاءت النعمة بعينها نَسِيَ، فإذا نسي وحينئذٍ ظن أنه قد فعل أو اكتسب هذه النعمة بنفسه ونَسِيَ المنعم بها على وجه الحقيقة، أو أعتقد أنها من عند الله ولم ينسَ المنعم على جهة الحقيقة وإنما ظن أنه أهلٌ وله مكانةٌ وله مرتبةٌ عند ربه فأنعم عليه بذلك، كلا الأمرين فسادٌ في النية وفسادٌ في القلب، ولذلك قال: وإن علم ذلك من حيث الإجمال، فإنه يغيب عنه عند التفصيل كما يقع لكثير من الناس إذا حصلت له النعمة ظن أن ذلك بتحصيله وكدِّه فنسبها إلى نفسه واستكبر، ونَسِيَ فاطره ومولاه الحق كما قال تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83] . فإذا علم ذلك استفاد فوائد جليلة، يعني إذا استقر في قلبه أنه لا يستحق على خالقه شيئًا البتة فأنعم عليه، حينئذٍ إذا وجد هذا العلم في القلب أتبعه بالعمل، فيكتسب بذلك فوائد جليلة منها: محبة الرب على إحسانه وجوده وكرمه، يعني تزداد محبة العبد لربه فيحب ربه لكونه ماذا؟ لكونه محسنًا، لأنه يرى الإحسان المجرد الذي ليس فيه كسبٌ للعبد وليس فيه استحقاقٌ للعبد على خالقه، فصارت النعمة مجردة عن هذين النظرين لم ينسبها لنفسه كسبًا وعملًا وحِذْقًا ومهارةً، بل نسبها إلى خالقه، ثم لا يرى لنفسه حقًّا على ربه، هذه نعمةٌ متجردة عن النظرين، فحينئذٍ تُكسبه محبةً لخالقه، فيعظم الرب جل وعلا في قلبه لأنه يُراه مُحسنًا من كل وجهٍ، وأنه يستحق الهلاك لكن لرحمة الله تعالى أَنْعَمَ عليه.
ومنها، من هذه الفوائد: احتقار النفس واستصغارها واستكانتها وتواضعها عند النعم لمولاها الحق.
ومنها الحذر من كفر النعم ونسبتها إلى تعبه وكده وتحصيله كما فعل الأبرص والأقرع كما سيأتي.
ذكر المصنف رحمه الله تعالى آيتين وحديثًا وبعض الآثار فيما يتعلق بتفسير الآية أو الآيتين.