لا فرق بينهما {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ، دخلوا أو لا؟ دخلوا، ولكن خرجوا بماذا؟ بصفة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق وتواصي بالصبر، يعني بهذه الأعمال الأربعة، حينئذٍ الإنسان {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ} أي كل إنسان، فدخل فيه جميع الأفراد، هنا كذلك لكن ذُكِرَتْ بعض الأوصاف لا تقع من المؤمنين الخُلَّص، الجواب: أن إنسان هنا باعتبار غالبه، باعتبار الغالب ولا إشكال في إراده البتة، فالأولى حمل الآية على العموم باعتبار الغالب فلا ينافيه خروج خُلَّص عباده، فالمراد بالإنسان الجنس باعتبار غالب أفراده، لأن الكفار والمنافقين أكثر من المؤمنين {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ} [الأنعام: 116] ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، ... {أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} أليس كذلك؟ الكثرة مذمومة في الكتاب والسنة وليست ممدوحة، ولذلك قال بعض السلف: انظر نفسك أنت مع الكثرة أو مع القلة، فإن كنت مع الكثرة فويحك ويحك، وإن كنت مع القلة فهنيئًا لك، لماذا؟ لأن الغالب في الناس هو الهوى، وإذا كان كذلك فحينئذٍ الهوى قد يخرجه من الكفر فيكونوا كفارًا ويكونوا منافقين، أو يكونوا أصحاب هوى من حيث ماذا؟ من حيث التلبس بالبدع والأهواء والبعد عن التعبد لله تعالى، وانظر شأن الناس ترى ذلك بينًا واضحًا، فالمراد بالإنسان الجنس باعتبار غالب أفراده، لأن اليأس من رحمة الله والقنوط من خيره والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين أو المتزلزلين في الدين المتظاهرين بالإسلام المبطلين للكفر، فأما المؤمن فيمنعه إيمانه من هذه الخصال، إذًا خرج خُلَّص عباده المؤمنين، خُلَّص العباد الذين أسلموا لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فلا يقع منهم ما ذُكر من سوء في هذه الآيات، {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} الشر هذا مطلق هنا، يعني يعم دخلت عليه (أل) ، {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ} يعني أصابه الشر وأثر فيه، {فَيَؤُوسٌ} يعني فهو يؤوس قنوط، فهو حينئذٍ {يَؤُوسٌ} هذا خبر مبتدأ محذوف، والفاء هنا واقعة في جواب الشرط، {وَإِن مَّسَّهُ} مسّ هذا فعل الشرط، {وَإِن مَّسَّهُ} البلاء والشدة والفقر والمرض وغير ذلك، يعني من الشر الذي يكون باطنًا ويكون ظاهرًا، فحينئذٍ كل ما يُسيء الإنسان فالأصل فيه أنه يكون شرًّا، أي {وَإِن مَّسَّهُ} البلاء والشدة والفقر والمرض {فَيَؤُوسٌ} من روح الله {قَنُوطٌ} من رحمته، {فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} جمع بين الوصفين وهما صيغتا مبالغةٍ، {يَؤُوسٌ} على وزن فَعُول، و {قَنُوطٌ} على وزن فَعُول، فحينئذٍ يدلان على أنه شديدُ اليأس عظيم القنوط، لأن فَعُول تدل على ذلك، وهذا لا يقع من المؤمن، وإنما يقع من منافق أو من الكافر، ثم قال الآية التي معنا: ( {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} ) .