فهرس الكتاب

الصفحة 1726 من 2014

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أن ذلك استدراجٌ لهم من الله وامتحانٌ لما عندهم من الشكر أو الكفر، فأخبر تعالى عن حال الإنسان من حيث هو إنسان في حال الضُّرِّ يضرع إلى الله عز وجل وينيب ويدعوه، ثم إذا خوله نعمةً منه طغى وبغى، وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} لِمَا يعلم الله استحقاقي له، ولولا أني عند الله حظيظٌ لما خولني هذا، وليس الأمر كما زعم {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} فالإنعام عليه بهذه النعمة للاختبار أن يطيعوا أم يعصي؟ مع علمه سبحانه المتقدم بذلك، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} . فلهذا يقولون ما يقولون ويدَّعُون ما يدَّعُون {قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ... [الزمر: 50] . أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادَّعَى هذا الدعوى كثيرٌ ممن سلف من الأمم، لأن النعم تترا من الله تعالى، ومع ذلك كلٌ يدَّعِي أن هذه النعمة من عند نفسه {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي فما صح قولهم ولا نفعهم جمعهم و {مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . يجوز أن تكون (ما) نافيةً، أي لم يغني عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئًا، أو أن تكون استفهامية، يعني أي شيءٍ أغنى عنهم ذلك، وفي معناه كذلك آية القصص وهي التي عناها المصنف هنا ( {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} ) قال قارون هذه المقالة ردًّا على من نصحه بما هو معلومٌ من القصة، أي إنما أعطيتُ ما أعطيتُ من المال لأجل علمي، ثم هذا العلم اخْتُلِفَ فيه على قولين:

-لعلمي بوجوه المكاسب فيتعلق العلم به.

-بعلمي بماذا؟ بما لي عند الله تعالى فيتعلق العلم بالله تعالى.

إذًا ( {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} ) العلم هنا يحتمل أنه علم قارون، ويحتمل أنه علم الله تعالى، ويحمل على الوجهين، لأن القاعدة هناك أن اللفظ إذا احتمل المعنيين ولا تضارب بينهما يحمل اللفظ على المعنيين.

( {عَلَى عِلْمٍ} ) هذا جار مجرور في محل نصبٍ على الحال، و ( {عِندِي} ) إما ظرفٌ لـ: ( {أُوتِيتُهُ} ) وإنما صلةٌ للعلم، يحتمل هذا وذاك، وهذا العلم الذي جعله سببًا لِمَا ناله من الدنيا قيل: هو علم التوراة، وهذا قولٌ ضعيف، وقيل: علمه بوجوه المكاسب والتجارات، ونسبه المصنف هنا إلى قتادة: (قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب) وهذا علمٌ أضافه إلى نفسه، فيكون العلم عائدًا على الإنسان، والمعنى إنني عالمٌ بوجوه المكاسب ولا فضل لأحدٍ عليَّ في ما أوتيته وإنما الفضل لي، فهذا إنكار أن يكون ما أوتيته من النعمة من فضل الله، بل هي من كسبه وعلمه، وهذا كفرٌ بنعمة الله تعالى وإعجابٌ بالنفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت