قال: ( «مسكين وابن سبيل» ) . يعني مسافر ( «قد انقطعت بي الحبال» ) «الحيال» ، ( «في سفري» ) روايتان، حبال جمع حبل والمراد به الأسباب، ( «قد انقطعت بي الحبال» ) يعني الأسباب أسباب المعشية في سفري، وقيل الطريق، والحبل يُطلق على السبب وبالعكس، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15] ، لأن الحبل سبب يتوصل به الإنسان إلى مقصوده كالرشاء يَتَوَصَّل به الإنسان إلى الماء الذي في البئر، وفي رواية لمسلم: «الحيال» جمع حيلة بالياء حيال، ليس حبال، حبال حيال، أي لم يبقَ لي حيلة، أراد أنك كنت هكذا، أبرص وفقير انقطعت بك الحبال أو الحيال، قال: ( «فلا بلاغ لي» ) . الرجل المسكين ( «فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» ) لا نافيةٌ للجنس، والبَلاغ والبلوغ بمعنى الوصول، بلوغ المرام يعني الوصول إلى المقصود، أي فلا وصول لي إلى مرادي إلا بالله سبحانه، ثم بك إظهارًا لشدة حاجته إليه، ( «أسألك» ) جاء السؤال بعد تلك المقدمة الاستعطاف والترقيق ( «أسألك بالذي أعطاك» ) تذكير له ( «أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال بعيرًا أَتَبَلَّغ» ) أسألك بعيرًا يعني، ( «بعيرًا أَتَبَلَّغ به في سفري» ) السؤال هنا سؤال استجداءٍ واستعطاء لا سؤال استخبار، أسألك استفهم منك، لا، المراد أعطني، أليس كذلك؟ هذا المراد ( «أسألك» ) يقال: سألته مالًا أي استجديته واستعطيته ( «بعيرًا» ) يدل على أن الأبرص أُعْطِيَ الإبل كما سبق، وهذا يُرجح ما سبق، يعني أطلب منك بعيرًا ( «أَتَبَلَّغ به» ) أي أتوصل به من البلغة وهي الكفاية، وفي البخاري: «أَتَبَلَّغُ عليه» . أي أتوصل عليه إلى مرادي، عَدَّدَ عليه ما أنعم الله به عليه ليكون أَرَقَّ له، ولذا لم يقل أسألك بالله قال: ( «أسألك بالذي أعطاك» ) . قلنا: قد يُعدل عن أصل الشيء للدلالة على ماذا؟ على معنى آخر، أليس كذلك؟ يعني قال هنا: ... ( «أسألك بالذي أعطاك» ) . الأصل من الذي أعطاه؟ الله عز وجل، الأصل يقول: أسألك بالله. عدل عن هذا الأصل لماذا؟ إلى هذه الجملة تذكيرًا له بالنعم التي كان عليها، ثُمّ لم يطلب منه أطيب الإبل، وإنما ما يكفي لحاجته، فقال هذا الأبرص بعدما سُئَلَ ما سُئِل وجاءه على حالته وسأله واستعطفه بعد تلك المقدمة فقال: ( «الحقوق كثيرة» ) . [والله المستعان] ، أي حقوق المال كثيرة عليَّ ولا أقدر على أدائها، أو حقوق المستحقين كثيرةٌ فلا يحصل لك بعيرٌ، فهذا المال الذي عندي تعلقت به حقوق كثيرة، وليس حقك أنت أيها المسكين، وليس حقك أنت فقط، وهو إنما أراد دفعه وليس بصادق، فقال له بعدما قال: ( «الحقوق كثيرة» ) . يعني كأنه تنصل منه ولم يعطه، فقال: ( «كأني أعرفك» ) . قال له الملك: ( «كأني أعرفك» ) .