إذًا باب الأسماء توقيفي، وباب الصفات توقيفي، يعني الأصل فيه المنع حتى يرد النص من كتابٍ أو سنة لأن هذا اللفظ قد وصف الله تعالى به نفسه أو سَمَّى به نفسه وما عدا ذلك فالأصل فيه التحريم والمنع، بخلاف الأخبار أو الإِخبار فلا يجب أن يكون توقيفيًّا، باب الخبر عندهم أوسع من الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فدائرة الأسماء أضيق الدوائر، ثم الصفات، ثم الأخبار. وهذه وما يتعلَّّق بها من قواعد بيناها على جهة التفصيل في (( شرح الواسطية ) )فليرجع إليها، كذلك مقدمة (( سلم الوصول ) )لكن المراد هنا التنبيه على أن باب الإخبار هذا فيه قولان لأهل السنة والجماعة.
القول الأول: أنه يُشترط فيما يخبر به عن الباري أن يكون أصل المادة محفوظة في الكتاب والسنة يعني جاء لفظها، ويشتق منها اسم فاعل أو صفة مشبهة فتطلق على الباري جل وعلا.
القول الثاني: أنه لا يُشترط، وأكثر متأخرين على هذا القول، بأنه لا يشترط، ولذلك أطلقوا القديم على الباري جل وعلا، والواجب بذاته أو بنفسه على الباري جل وعلا، قالوا: وهذا من باب الإخبار، وعلى ذلك ابن تيمية وابن القيم، ومن تبعهما.
والصواب: أن يقال أنه لا بد أن تكون المادة محفوظة، بمعنى أن أصل التركيب أو أصل المادة الحروف الواردة في الاشتقاق أن تكون محفوظة في الكتاب والسنة جاء النطق بها، ومن ذلك المتكلِّم، المتكلِّم بهذا اللفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنما جاء {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى} [النساء: 164] . إذًا كَلَّمَ أصل المادة، فلو اشتق منه فقيل: الله متكلم. لا من باب الاسمية وإنما من باب الإخبار جاز، لماذا؟ لأن المتكلِّم مشتق من كَلَّمَ يَتَكَلَّمُ فهو مُتَكَلِّم. إذًا له أصلٌ في الكتاب والسنة.
كذلك الصانع له أصل في الكتاب والسنة قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] المتقن، أتقن، حينئذٍ الصانع والمتقن هذا لا بأس به لأن الأصل فيه أنه جاء في الكتاب والسنة، فاشتقاق اسم الفاعل أو الصفة المشبهة من ذلك لا حرج فيه البتة، وهذا يكون محل وفاق، إنما النزاع في ماذا؟ في نحو القديم بأحد المعنيين، حينئذٍ هل يجوز إطلاقه على الباري جل وعلا أو لا يجوز؟ إن اشترطنا المادة لم ترد في الكتاب والسنة، فالأصل فيها المنع، والأصل في ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] والغيب منه الله تعالى، حينئذٍ الباري غيبٌ، وأسماؤه غيبٌ، وصفاته غيبٌ، حينئذٍ لا يُطَّلَعُ على شيءٍ إلا بوحيٍ، فإذا وُجِدَ الوحي فحينئذٍ سلمنا وإلا فالأصل المنع.