إذًا الرابع تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها كقول الجهمية: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفاتٍ ولا معاني، فيطلقون اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة ولا غير ذلك. لماذا؟ لأنهم يُنفون جميع الصفات إلا بعضها كالوجود ونحوه. وهذا -قاله ابن القيم: من أعظم الإلحاد فيها، هذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغةً وفطرةً، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوا صفات كماله وجحدوها وعطلوها متقابلان يعني المشركون أثبتوا الصفات للباري لكنهم جعلوها لآلهتهم، وهؤلاء نفوها، لم يجعلوها صفات للباري جل وعلا، جحدوها وعطَّلوها، وكلاهما ملحد في أسمائه، وإنما يختلفون في الجهة، ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد الآن يُقَسَّموا الجمهية معتزلة أشاعرة كُلابية ماتريدية كلهم يشتركون في نقطة واحدة وهي التجهم، كلهم جهمية، الأصل المعتزلة جمهية، والأشاعرة جهمية، والكلابية جهمية، وإنما يختلفون في بعض الفروع، الأصل متفق عليه، وهو نفي الصفات، فما أثبته الباري جل وعلا أو أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - جميع الفرق هذه لا تجعله أصلًا ولا تلتفت إليه، ولا حجةٍ لكتاب ولا لسنة ولا لقول صحابي.
إذًا الأصل مطرد ما الذي يُستند إليه وعليه هو العقل، إذًا اتفقوا، ثم يختلفون في بعض الفروع، هل هذا دل العقل عليه لم يدل عليه، إذًا الخلاف عندهم ماذا؟ خلافٌ في فرعٍ لا في أصلٍ، وأما الأصل فالأصل هو أنه يُنفى عن الباري جل وعلا جميع الصفات، وتختلف الأدلة عندهم هذا يستدل بعروض، هذا بالصفات الاختيارية، حدوث الصفات ونحو ذلك، نقول: هذه كلها اختلاف في كيفية إثبات ما لجئوا إليه، وأما الأصل المطرد فهو أنه لا يُعتمد لا كتاب ولا سنة ولا قول صحابي، وإنما المعتمد هو العقل، ولذلك قال ابن القيم: ثم الجهمية وفروخهم. مَنْ فروخهم؟ المعتزلة والأشاعرة وكل هؤلاء، والأشاعرة جهمية في أصولهم جهمية، وكذلك الكُلابية فلا فرق بنيهم البتة إلا في مسائل، ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمتلوث، وكل من جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد ألحد في ذلك فليقل أو ليستكثر، وهؤلاء متفاوتون في القلة والكثرة.
الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوًّا كبيرًا، هذا إلحاد أن يقول: له يدٌ كيدي، له عين كعيني. ونحو ذلك له قدم وساق كقدمي وساقي، نقول: هذا تمثيل وهو كفرٌ أكبر يعني يعتبر من الشرك الأكبر هذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه.
والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات أسماء الله وصفاته على ما لا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريم ولا تعطيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .