(الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبِد من دون الله) . وهذا واضح بَيِّن، ولذلك عَمَّ هذا التعريف وهو قول الإمام مالك رحمه الله، كُلّ ما عُبِدَ من دون الله فهو طاغوت، ثم قد يكون طاغوتا بالفعل متى؟ إذا رَضِيَ ودَعَا غيره، طاغوت بالفعل تقول: هذا طاغوت. أو لا يكون داعيًا أو راضيًا حينئذ يُطلق عليه بأنه طاغوت باعتبار عابديه، ولكن نُقَيّد هذا حتى لا يُساء الظن بمثل عيسى عليه السلام أو النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال طاغوت عند العامة، لا، وإنما يُفَصَّل عند طلاب العلم لأنهم يُدْرِكُون معنى هذا، وإلا لو قيل: بأن الصوفية مثلًا الذين عبدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعلوه شريكًا لله عز وجل في الخلق والأمر نقول: هؤلاء جعلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - طاغوتًا في اعتقادهم، لماذا؟ لأن كل من صرف العبادة كلها أو بعضها لغير الله فذلك الغير طاغوت، سواء كان مُسَلَّمًا به أو لا؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرضى الشرك، لا يرضى أن يشرك هو عليه الصلاة والسلام مع الله عز وجل في شيء من العبادة حينئذ لا إشكال، نقول: الطاغوت عام، وإلا لو قيل بأنه ليس بطاغوت، إذًا ماذا عبد هذا؟ لو قلنا: أن الذي صرف العبادة طاف بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - واستغاث به .. إلى آخره، هذا مشرك عبد غير الله عز وجل، نقول: هذا هل اجتنب الطاغوت؟ إذا لم نصحح أنه جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - طاغوتًا نقول: نعم اجتنب الطاغوت، لماذا لأنه لم يرضَ، فلا نشترط في إطلاق لفظ الطاغوت رضا صاحبه، ولذلك أرجو أن يكون واضحًا وقد فصلناه فليرجع إليه إذا أُشْكِل عليكم شيء على الأصل، لأن الطاغوت عام في كل ما عُبِدَ من دون الله سواء كان راضيًا أو لا، وإذا لم يكن راضيًا حينئذ يكون طاغوتًا باعتبار العابد ولا إشكال فيه، لأن الطاغوت فَعَلُوت مأخوذ من الطغيان، وهذا قد جاوز، كما أنه جاوز بـ هُبَل مثلًا حَدَّهُ وجعله معبودًا من دون الله تعالى، كذلك هذا اعتقد في النبي - صلى الله عليه وسلم - وتجاوز به حدّه وجعله معبودًا، ما الفرق بينهما؟ واحد كلاهما واحد.
(التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف) . المحكمات يعني التي لم يدخلها نسخ (في سورة الأنعام عند السلف) ، وهذا أخذها من قول ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صلى الله عليه وسلم -) جعلها وصية للنبي - صلى الله عليه وسلم -. (وفيها عشر مسائل) - يعني هذه الآيات الثلاث:
(أولها النهي عن الشرك) وهي مقتضية للتوحيد كما ذكرناه.
(العاشرة - المسألة العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء) . انظر هنا قَدَّم ما تعلق بسورة الإسراء مع أنها مقدمة هنا، هناك قَدَّم ما تعلق بسورة الأنعام على ما تعلق بسورة الإسراء مع كونه عكس الترتيب فيما سبق، يدل ذلك على أن المصنف لم يُراعِ الترتيب في المسائل على ما ذكره سابقًا، الآيات المحكمات في سورة الإسراء وهي قوله ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ} ) .. إلى قوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء: 39] وهذه اشتملت على أوامر ونواهي، وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها الله بقوله: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا} [الإسراء: 22] {مَذْمُومًا} يعني عند الله تعالى وعند أوليائه، {مَّخْذُولًا} من الخدلان وهو عدم النصرة لا في الدنيا ولا في الآخرة. إذًا بدأها بماذا؟ بالنهي عن الشرك، وختمها بقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} [الإسراء: 39] ويعني يلومه أهل النار وغيرهم {مَّدْحُورًا} يعني مبعودًا مُبْعَدًا، إذًا بدأها بالنهي عن الشرك، وختمها بالنهي عن الشرك، وهذا يدل على عِظَم هذه الجريمة، ونبهنا الله سبحانه على عِظَم شأن هذه المسائل بقوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} .
(الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تُسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا} ) . أَحقّ الحقوق حقّ الله عز وجل وغيره مَبْنِيٌّ عليها لأنها لا تصح العبادة إلا بذلك.