مناسبة الباب لكتاب التوحيد لما كان حقيقة لفظ السلام السلامة والبراءة والخلاصة والنجاة من الشرور والعيوب هذا معناه، فإذا قال المسَلِّم السلام عليكم، فهو دعاء للمسَلَّم عليه، السلام عليكم يعني دعاءٌ للمسَلَّم عليه، وطلبٌ له أن يَسْلَمَ من الشّر كله، ومرجع السلامة إلى حظ العبد مما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، إذًا هو حظٌّ للعبد، سلمك الله السلام عليكم، يعني عُفِيتَ من المكاره، وسلمت من الآفات، لك حظٌّ في ذلك ولي حظٌّ، وأما الله تعالى فهو المطلوب منه أن يُسَلِّم العبد حينئذٍ (لا يقال: السلام على الله) بمعنى أنه ماذا؟ يسلم نفسه من الآفات، صار فيه نوعٌ من التعدِّي في الربوبية والله هو المطلوب منه لا المطلوب له وهو الْمَدْعُوُّ جل وعلا لا الْمُدْعُوَّ له، فلا يُدعى لله تعالى وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، وهو السالم من كل تمثيل ونقص، وكل سلامةٍ ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها، لَمَّا كان الأمر كذلك استحال أن يُسَلَّم عليه سبحانه وتعالى، بل هو المسَلِّمُ على عباده كما قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ} [النمل: 59] . إذًا الله تعالى يُسَلِّمُ فلا يُسَلَّمُ عليه لأنه يُعتبر ماذا؟ يُعتبر دعاءً فإذا كان كذلك فالله يُدْعَى ولا يُدْعَى له، إذًا صار فيه محظور شرعي، فالله تعالى هو الذي يسلِّمُ على عباده. قال هنا: وقال سبحانه: {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181] . كذلك، وقال: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44] . فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره ولا رب سواه، إذًا لَمَّا كان الأمر كذلك حينئذٍ احتجنا إلى أن نعنون كما عنون المصنف هنا (لا يقال: السلام على الله) إنما يقال السلام عليك أنت أيها المخلوق، وأما الله تعالى فهو الذي يُسَلِّمُ العباد، فصفاته عليا كاملة كما أن أسماءه حسنى {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} يعني الوصف الأكمل، فإذا قلنا: السلام على الله. أوهم ذلك أن الله سبحانه قد يلحقه النقص، وهذا ينافي كمال صفاته، بل هذا ممتنع البتة.
وفي (( القول المفيد ) ): ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرةٌ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله المتضمنة لصفاته، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها، أليس كذلك؟ إذا قيل بأنها سالمةٌ من كل نقصٍ، تضمن ماذا؟ تضمن الكمال، إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها، هذا الذي يتم به الكمال، إثبات ما دلت عليه، ثم نفي ما يضادها، ولهذا أعقب المؤلف الباب السابق بهذا الباب إشارةً إلى أن الأسماء الحسنى والصفات الْعُلَى لا يلحقها نقصٌ بوجه من الوجوه.