الحاصل أن قوله هنا: فلا يقل أو ( «لا يقل» ) لا يقولن لا إشكال فيه جاء على الفصيح كذلك من لسان العرب وإذا كان كذلك فهو عمدةٌ، وإن كان في نفسه باعتبار تفعل أقل، حينئذٍ باعتبار تفعل أقل لا شك في ذلك أن الأكثر لا تفعل، يكون للخطاب وأما لا يفعل هل سُمِعَ أو لم يُسْمَع؟ نقول: نعم، سمع جاء في القرآن وجاء في السنة حينئذٍ صار قاعدةً وصار كلامًا فصيحًا ولا إشكال فيه، لكن كونه قليلًا هذا لا إشكال فيه، ولا يلزم أن يكون في القرآن كل ما شاع يعني قد يكون فيه فصيح وأفصح، هذا موجودٌ في القرآن وموجود في السنة، ووجود الفصيح لا يُخرج القرآن عن كونه فصيحًا، وكذلك وجوده في السنة لا يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كونه فصيحًا، على كلٍّ قوله: فـ ( «لا يقل» ) لا ناهيةٌ بدليل جزم الفعل بعدها، وعلى الرواية «يقولن» وهو فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، «لا يقولنَّ» يكون في محل جزم لأنه مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزمٍ، لأن (لا) تقتضي ماذا؟ تقتضي الجزم، فإذا اتصلت نون التوكيد بالفعل حينئذٍ بني معها على الفتح، طيب أين عمل (لا) ؟ يبقى في المحل لا في اللفظ ( «لا يقل» ) ظهر في اللفظ، «لا يقولن» هذا في المحل، وهذا يؤكد أن كلام النحاة قويٌّ جدًا في مسألة التقدير، الإعراب المقدر، والإعراب المحلي، هذا موجودٌ، فلا يقل، «لا يقولن» أين ذهب السكون، حينئذٍ نقول: لا بد من تأثير (لا) على كلٍّ هذا استطرادٌ، فيه توكيد الفعل بنون التوكيد الثقيلة.
قوله: ( «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» ) جمع بينهما للدلالة على ماذا؟ على أن الحكم هنا ليس مقيدًا بطلب المغفرة كما ذكرنا، وإنما المراد من التركيب هنا:
أولًا: الإشارة إلى أن أكثر ما يطلب هو المغفرة والرحمة وهما قرينان.
ثانيًا: المراد به أن التعليق هنا بالمشيئة تعليق الدعاء، سواء كان بالمغفرة بطلب المغفرة أو بطلب الرحمة، فحينئذٍ نوَّع النبي - صلى الله عليه وسلم - هاتين العبارتين، وإلا قد يقال بأنه لو قال: ( «اللهم اغفر لي إن شئت» ) يكفي في بيان الحكم، قل: نعم يكفي، لكن أورد معه ( «اللهم ارحمني» ) لأن الرحمة قرينةٌ لطلب المغفرة، ثم المراد ماذا؟ التوصل للقاعدة وهي أنه إذا دعا المسلم ربه أيًّا كان الدعاء حينئذٍ لا يعلق بالمشيئة، فالمراد هنا التعميم، فذكر الأخص عقل معناه، ثم صار عندنا عموم معنويّ، فإذا كان كذلك فلا نقول بأن الحديث خاص، لا نقول بأن الحديث خاصٌ في قوله: ( «اللهم اغفر لي إن شئت» ) تقول: لأن المعنى هنا مُعَلَّل لما سيأتي من ذكر العلة، فإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول: العلة تدل على تعدِيَة الحكم، فكل دعاءٍ سواء كان طلب مغفرةٍ أو طلب رحمةٍ أو طلب رزقٍ أو طلب زوجةٍ فلا يعلق بالمشيئة، بل يعزم المسألة، يجزم [نعم] .
( «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» ) في الجملة الأولى ( «اغفر لي» ) هذه النجاة من المكروه وفي الثاني ( «ارحمني» ) الوصول إلى المطلوب فشمل هذا الدعاء كل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه، ولذلك قلنا: أكثر ما يَرِدُ هو طلب المغفرة والرحمة.