«فإن الله صانع ما شاء» يعني يفعل ما شاء، «فإن الله صانع» الصانع وصانع هذا جاء يصلح مثال لما نذكره بكونه ماذا؟ خبر، أنه لم يرد بـ (أل) هنا فلا يكون اسمًا، لم يرد بـ الصانع، وإنما جاء صانع، حينئذٍ قلنا فيما سبق: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] يجوز أن يقال الصانع من باب الإخبار ولا يكون عَلَمًا، لماذا لعدم وروده على قاعدة الأعلام، فإذا كان كذلك فحينئذٍ يُشتق اسم فاعل، وهنا جاء النص به، لو لم يرد النص، هل يجوز أن نقول: من المصدر {صُنْعَ اللَّهِ} صانع؟ نقول: نعم، بناءً على ماذا؟ على أن المادة موجودة في القرآن، فإذا كان كذلك حينئذٍ جاز الاشتقاق وإلا الأصل المنع على الصحيح، «فإن الله صانع» ولذا «فإن» هذه تدل على التعليل، «لا يقولن أحدكم» ، «فإن الله صانع ما شاء لا مكره له» ، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} ، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] دل ذلك على أن الله تعالى يفعل ما شاء، [وليس أحدٌ مكرهٌ] وليس أحدٌ مكرهًا لله تعالى على فعله البتة، ولا يمنعه من شيءٌ البتة. قال القرطبي: هذا إظهارٌ بعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة، لا فائدة فيه، إذا كان الله تعالى صانع ما شاء لا مكره له إذًا ما فائدة التقييد. التقييد إنما يكون ماذا؟ إذا كان ثَمَّ مؤثرٌ خارجي، وهنا انتفى المؤثر الخارجي لكمال الباري جل وعلا يفعل ما شاء، فإن الله صانعٌ ما شاء لا مُكره له البتة، حينئذٍ نقول: هذا نفيٌّ لفائدة التقييد هذا التقييد لا فائدة منه البتة، وإنما يقال في شأن من؟ في شأن من إذا طلب مع الشيء قد يوجد شيءٌ خارجي يُؤثر فيه فعلًا وانتفاءً، هذا إظهار لعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة لأن الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيءٍ دعاءٌ ولا غيره، بل يفعل ما يريد، ويحكم ما يشاء، ولذلك قيّد الله تعالى الإجابة بالمشيئة في قوله: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء} [الأنعام: 41] ، {إِنْ شَاء} قيَّده هنا بماذا؟ والفعل منه والقول منه، فقيَّد الإجابة بالمشيئة، لكون الإجابة صفة له جل وعلا، أليس كذلك؟ وهي فعل له، حينئذٍ ما كان من جهة الباري جل وعلا ففعله مطلق لا يُقَيَّدُ البتة، فإذا خوطب بدعاء وطلب منه شيء حينئذٍ لا مكره له، فلا معنى لاشتراط المشيئة فيما هذا سبيله، يعني فيما يخاطب يعني فيما يخاطب به الباري جل وعلا، بخلاف العبد فإنه قد يُعْطِي السائل مسألته لحاجته إليه أو لخوفه أو رجائه، يعني إذا طلب الشخص من آخر مخلوقٌ من مخلوق حينئذٍ الإعطاء والمنع الأصل في تعامل الناس هو ماذا؟ هو المنفعة هذا الأصل فيه، فحينئذٍ نقول: قد يقول لزيدٍ أعطني إن شئت، لأنه قد يكون كارهًا، قد يجامله، قد لا يحبه، قد لا يريد أن يعطيه، فيقول: أعطني إن شئت، فحينئذٍ التقييد هنا بالمشيئة لها وجهٌ، لماذا؟ لأنه قد يكون له تأثير خارجي، إما محبة، إما شيءٌ آخر، حينئذٍ لما كان التوجه هنا بالسؤال مخلوق لمخلوق فيقال له إن شئت، بخلاف الباري جل وعلا، بخلاف العبد فإنه قد يُعطي السائل مسألته لحاجته إليه، طلبتني وأنا لي أشياء في المستقبل قد آتيك، فحينئذٍ قلت لي: إن شئت.