فهرس الكتاب

الصفحة 1831 من 2014

إذًا لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى ولأن فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق، وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - العلة في ذلك كما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا رضي الله تعالى عنه «لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي. ولا يقولن: المملوك ربي وربتي» هكذا بالتأنيث «وليقل المالك: فتاي وفتاتي. وليقل المملوك: سيدي وسيدتي. فإنكم المملوكون والرب الله عز وجل» هذا تعليل، «فإنكم» قلنا الفاء وإن إذا جاءت بعد النهي تدل على التعليل، إذًا العلة مدركة، وإذا كان كذلك فحينئذٍ المراد به حفظ جناب الربوبية، وسدّ كل ذريعة ولو في اللفظ ولو لم يقصد المعنى مطلقًا، فلا يقال: عبدي. ويقال للكراهة أو للتحريم على خلاف، حينئذٍ المنع مُدرك، فإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: هذه العلة ثابتة بالنص، «فإنكم» أي لأنكم، «المملوكون» جميع أحرار أو غيرهم، «والرب الله عز وجل» ، ورواه أيضًا بإسناد صحيح موقوفًا فهذه علة لهم.

فالحاصل: أن قوله: ( «عبدي وأمتي» ) . من باب المضاف، ومقتضاه العبودية له، ( «عبدي» ) أنت عبدي، حينئذٍ أوهم ماذا؟ عبودية العبيد لله تعالى فإذا كان كذلك فالأصل فيه المنع، ومقتضاه العبودية له، وصاحبه عبدٌ لله متعبدٌ بأمره ونهيه، فإدخال مملوكه تحت هذا الاسم يوهم التشريك، إذًا [السيد لا يقول: ربي] العبد لا يقول: ربي. لأن لفظ الرب موهم للتشريك، فالذي يأمر وينهى هو الله عز وجل، وهذا السيد ليس له الأمر والنهي، كذلك السيد لا يقول عبدي، العكس لأن العبد هو سيد نفسه عبدٌ لله تعالى، حينئذٍ لما كان هذا اللفظ موهمًا للعبودية جاء المنع منه في السنة، فإدخال مملوكه تحت هذا الاسم يوهم التشريك لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق، والعبيد عبيد الله، والإيماء إيماء الله {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] العبودية عامة هنا، ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريكٌ في اللفظ ولو لم يقصد المعنى، فناههم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك تعظيمًا لله وأدبًا معه وبعدًا عن الشرك وتحقيقًا للتوحيد، هذا إن أضافه إلى نفسي كقوله: عبدي. يعني في صيغة النداء فهو منهيٌّ عنه، لكن إذا ذكره على جهة الخبر، قلنا: الخبر لا يدل على ماذا؟ على الأمر والنهي لو قال: هذا عبدي. من باب التعريف هل يكون منهيًّا عنه؟ إن كان المراد به من باب التعريف الخبرية المحضة، فالظاهر والله أعلم أن العلة منتفية، حينئذٍ لا إشكال فيه، ولو قيل من باب الاحتياط والمنع فلا إشكال فيه، لكن نقول: لما أدركت العلة فيما سبق وحديث أبي داود حينئذٍ لم يرد به أنه عندما يقول: يا عبدي، أو اعطني، فيه أمر ونهيٌ حينئذٍ الإشكال واردٌ، لكن إذا كان من باب الخبر والأصل والله أعلم أنه لا إيهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت