وإذا كان كذلك يلزم حينئذٍ أن كل ما أمر الله تعالى به فقد رتب عليه ثوابًا، وإذا كان كذالك فحينئذٍ ذكر الثواب والفضل لا يلزم منه نفي الوجوب، وهذا واضح بَيِّن، إذ ما من أمرٍ أمر الله تعالى به في الكتاب أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا وفيه فضل علمناه أو جهلناه، يعني جاءت به السنة بيانه أو لم نعلم بذلك، ولذلك جاءت أوامر كثير ورتب الرب جل وعلا عليها من الفضائل الدنيوية والأخروية، وقد تكون أخروية دون أن تكون دنيوية، حينئذٍ لا يلزم من ذكر الفضل نفي الوجوب، فلا تعارض بين أن يقال الباب الأول في (وجوب التوحيد) والباب الثاني في (فضل التوحيد) إذا هو واجب وفيه فضل، إذ ما من واجب إلا وله فضائل، وقد يكون فضلًا واحدًا، وقد يكون له عدة فضائل، وهنا من هذا القبيل، فلا يلزم حينئذٍ من ثبوت الفضل لشيء أن يكون غير واجب، وهذا مطرد في جميع الواجبات، ما من شيءٍ يرد في الشريعة سواء كان في الكتاب أو في السنة بذكر فضلٍ لا نستدل به على أنه ليس بواجب إلا إذا وُجِدَت قرينه معه تؤيد ذلك، أما بمجرد ذكر الفضل نقول: لا، ليس الأمر كذلك. لذلك الإيمان له فضل حينئذٍ إن ثبت ذلك خير لكم حينئذٍ نقول: إن ثبت الخيرية في الإيمان في الدنيا وفي الآخرة لا يلزم منه أن يكون الإيمان ليس بواجب، وكذلك الصلاة، وكذلك الزكاة كذلك الحج «الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة» . حينئذٍ نقول: ذكر الفضل لا يلزم منه نفي الوجوب، بل هو واجب وفيه فضل، ولذلك جاء في الحديث «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» . صلاة الجماعة مختلفٌ فيها بين أهل العلم هل هي واجبة أم سنة مؤكدة؟ هي فرض عين أم فرض كفاية؟ بل ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أنها شرط صحة للصلاة، فمن لم يأت بصلاة الجماعة كمن صلى بدون طهارة، ولكن هذا القول يُشبه أن يكون مهجورًا قول شاذ، «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» استدل بعضهم على سنية هذه الجماعة بمثل هذا الحديث، لقوله: «أفضل» . وفي بعض الروايات «تفضل من صلاة الفذ» . حينئذ نرد عليه إذا كان الاستدلال بقوله: «أفضل» من هذه الحيثية ترد عليه بأن إثبات الفضل لا يستلزم نفي الوجوب، بل هي واجبة وفيها فضل، لكن ثَمَّ وجه استدلال آخر لبعضهم كونه قارن بين الجماعة والفذ يعني الفرد، ولا شك أن من ترك الواجب أنه ليس بمبتدأٍ في ذلك الفعل حينئذٍ يكون فاسقًا خاصةً إذا كان مصرًّا وهنا النص جاء مطلقًا «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذُّ» . وحينئذٍ يرد السؤال هل المقارنة بين شيئين أحدهما يكون مطيعًا والثاني يكون فاسقًا؟ أو كل منهما يكون مطيعًا وأحدهما أكثر ثوابًا من الآخر؟ هذا محل استدلال لبعضهم من وجه آخر، يعني هذا الحديث تراه يذكره مثلًا الشوكاني في (( السيل الجرار ) )على أن الصلاة ليست بواجبة صلاة الجماعة ليست الصلاة، على أن صلاة الجماعة ليست بواجبة، لماذا؟ لقوله: «أفضل من صلاة الفذ» . ليست القضية أو النظر يكون في إثبات الفضل فنرده بهذه القاعدة لا إشكال وهو واضح، استدلال باطل، وإنما من قوله: «أفضل من صلاة الفذ» يعني صلاة الفرد، هذا إن كان فاسقًا حينئذٍ لا مفاضلة بين من صلى جماعة وبين من صلى فذًّا لأنه فاسق تارك لواجب قطعًا لأنه لن ينال ولا درجة فضلًا عن سبع وعشرين درجة. حينئذٍ كونه أثبت أنه في مقابل من يأت بالصلاة في الجماعة وأن له الفضل لأن أفضل التفضيل يدل على إثبات الفضيلة في فعله، وأن من أتى بالصلاة في الجماعة ثبتت له السبع وعشرين درجة هذا وجه آخر ذكره الشوكاني وغيره في (( السيل الجرار ) )والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فلا يلزم من ثبوت الفضل فيها أن تكون غير واجبة.
ومسألة صلاة الجماعة وإن ترجح عند البعض أو عند كثير من المعاصرين [أنها ليست بواجب] [1] أنها واجبة، ترجح عند المعاصرين أنها فرض عين، بمعنى أنه لو تركها يأثم، لكنها يبقى المحيط الأعظم أن يقال بأنها من المسائل المختلف فيها، فلا ينبغي التشديد في مثل هذه المسائل قط، لأن كلا من أصحاب الأقوال المذكورة:
-إما فرض كفاية وهو قول الشافعية والمرجح عندهم.
(1) سبق.