وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بشر البرية» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الذي يُسأل به ولا يُعطِي» . رواه أحمد، وهذا كله يتعلق بمن؟ ليس بالسائل، إنما يتعلق بالمسئول، ولذلك قلنا: الأصل فيما سبق الإجابة، من سأل بالله ماذا؟ فأعطوه، حينئذٍ يدل على ماذا؟ يدل على الوجوب، «لكن ما لم يكن هُجْرًا» ، يعني ما لم يكن إثمًا، ثم القاعدة الأخرى [لا ضرر ولا ضرار] إذا كان ثَمَّ ضرر على المسئول حينئذٍ لا يتعين عليه الجواب.
إذا تبين هذا فهذه الأحاديث دالة على وجوب إجابة من سأل بالله أو أقسم به، ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنما تجب على معين فلا تجب على سائلٍ يقسم على الناس. يعني إذا كان الخطاب خاصًا، وقال لأهل قريةٍ: أسألكم بالله أن تعطوني كذا وكذا. يلزمهم؟ لا يلزمهم، وإنما ماذا؟ يلزم المعيَّن، قال هنا: إنما تجب على معيَّن فلا تجب على سائل يقسم على الناس. وظاهر كلام الفقهاء أن ذلك مستحب كإبرار القسم، لأنه يُعتبر من ماذا؟ يُعتبر من الآداب، وعند كثير من الفقهاء أن صيغة افعل إذا جاءت للأدب فهي للاستحباب، وهذا ضعيف كما قلنا مرارًا، الصحيح أن افعل دالة على الوجوب مطلقًا فيما يتعلق بالعبادات، وفيما يتعلق بالآداب والسلوك والمعتقدات، وكل ما يتعلق بالشرع وجاء على صيغة افعل فالأصل فيه الوجوب يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى قرينة شرعية كتابًا أو سنة فيكون صارفًا لهذه الصيغة عن ظاهرها وهو الوجوب إلى الندب، وأما التقسيم أنه إذا جاء في الآداب فهو للندب وما عداه فهو للوجوب هذا التقسيم يحتاج إلى دليل، لأن الأدلة الدالة على أن صيغة افعل تدل على الوجوب مطلقة عامة، وإذا كان كذلك نحتاج إلى مخصص وليس ثَمَّ مخصص إلا الاجتهاد فيكون اجتهاد في مقابلة نصٍّ فهو فاسد الاعتبار فلا يلتفت إليه البتة، ولذلك الفقهاء كثيرًا ما يسيرون على هذه القاعدة كلما جاء أمرٌ يتعلق بالآداب والسلوك ونحوها قالوا: هذا للندب والإرشاد، وكثيرًا ما يفعل ذلك النووي وغيره، ولذلك قال هنا: وظاهر كلام الفقهاء أن ذلك مستحبٌ كإبرار القسم، والأول أصح الذي هو الوجوب بالقيد السابق ما لم يكن إثمًا أو مضرةً على المسئول إعظامًا لله تعالى وهيبةً منه أن يُرَدَّ من سأله به، وقد يكون النصوص الأخرى بمجموعها إن كان كل واحد منها على جهة الخصوص فيه شيء من الضعف بمجموعها فهو صحيح لغيره أو حسن فحينئذٍ يكون حجةً في ذلك.
قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «ومن دعاكم فأجيبوه» ) . هذه الجملة الثالثة في هذا الحديث ( «ومن دعاكم» ) أي دعاكم إلى طعام ( «فأجيبوه» ) ، والحديث أعم من الوليمة وغيرها، الوليمة عند الفقهاء إذا أطلقت انصرف إلى وليمة العرس، ولذلك يقال هنا في هذا المقام: أعم من الوليمة وغيرها. لأنه قال: ( «ومن دعاكم فأجيبوه» ) . ( «من» ) هذه شرطية، و ( «دعاكم» ) هذا فعل الشرط، ( «فأجيبوه» ) جواب الشرط، الفاء هذه واقعةٌ في جواب الشرط.
إذًا فيه عموم من جهتين:
الشخص الداعي، وكذلك الدعوة.