نكرة في سياق الشرط، ( «فكافئوه» ) على إحسانه بمثله أو خير منه، لأن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله، وفيها السلامة من البخل ومذمته ولا يهملها إلا اللئام، لا يهمل المكافأة إلا اللئام، وبعضهم يكافئ على الإحسان بالإساءة - والله المستعان -، يحسن إليه بدلًا من أن يكافئه بالإحسان يسيء إليه، هذا لؤم وهو من خوارم المروءة لا يفعله إلا اللئام، إذا الأصل في المعروف أنه يكافئ بالمعروف، مثله أو خيرٍ منه، بخلاف أهل التقوى والمروءة فإنهم يدفعون السيئة بالحسنة، أهل المروءة يدفعون السيئة بالحسنة، إذًا من أحسن إليك لا تدفع الحسنة بالسيئة يعني ليس العكس، وإنما لو عوملت بالسيئة فأن تدفعها بالحسنة، لكن يكافئك أو أنه يعمل لك يصنع لك معروفًا ثم تكافئه بالإساءة، نقول: هذا ليس من أخلاق المسلمين. بخلاف أهل التقوى والمروءة فإنهم يدفعون السيئة بالحسنة طاعةً لله ومحبةً لما يحبه لهم ويرضاه، والمكافأة تخلص القلب من رق إحسان الخلق. هذا وجهه كذلك أن الشخص إذا أُحسن إليه حينئذٍ يكون رقيقًا يكون في قلبه تعلق به للذي أحسن إليه، لكن إذا كافأه حينئذٍ زال هذا الرق، ولو لم يكن فيه إلا هذا الفائدة لكفى، بحيث أنه إذا أُحسن إليه يبقى معلقًا به، أليس كذلك؟ فيكون في القلب نوع التفات وهذا نوع تشريك وإن كان لا يُسمى شركًا أكبر ولا أصغر، لكن فيه شيءٌ من الالتفات، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يقطع هذا الالتفات إلا بماذا؟ إلا بالمكافأة فلا تكن له منةٌ البتة، وهذا مما يُستحسن فعله وهو من كمال التوحيد. قال: والمكافأة تخلص القلب من رق إحسان الخلق. ولا شك أنك إذا لم تكافئ من صنع إليك معروفًا بقي في قلبك إليه نوع تأله. المراد بالتأله هنا الالتفات فشُرِعَ قطع ذلك بالمكافأة ولو كافرًا، ولو كان الذي أحسن إليك كافرًا، بل هو أولى لأن احتمالًا منة المسلم أولى من احتمال منة الكافر، وقطع المنة من جهة الكافر هذا أولى، وهو أولى من مكافأة المسلم إذ منة المسلم أسلم من منة الكافر، ويدل له قوله - صلى الله عليه وسلم: «من أحسن إليكم فأحسنوا إليه» . ثم قوله: ( «ومن صنع» ) . وكذلك قوله: «من أحسن» . لا يختص بمسلم، إنما يشمل ماذا؟ الكافر، ففيه عموم، فالإحسان إلى الكافر إذا أحسن إليك هذا من محاسن الإسلام، وكذلك إذا صنع إليك الكافر معروفًا حينئذٍ نقول: هذا من محاسن الإسلام، وهو كذلك، وهنا قد يقال بأن كيف يحسن الكافر إلى المسلم؟ نقول: نعم، هذا قد يكون أبوه كافرًا، قد يكون عمه كافرًا إلى آخره، قد يكون في العائلة عنده من هو كافر فإذا أحسن إليه حينئذٍ يكون من مقتضيات أخلاق المسلمين المكافأة، ولفظ أبي داود «من أتى إليكم معروفًا فكافئوه» ، قوله: ( «فإن لم تجدوا ما تكافئوه» ) .