فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 2014

إذًا ماذا صنع هنا المصنف؟ جعل هذا الباب تابعًا للأول، وكثير على هذا المنوال حينئذٍ لما ذكر التوحيد ذكر فضله، ذكر التوحيد أي توحيد؟ توحيد العبادة، ذكر فضله فصار ثَمَّ تخصيص، وعليه نقول: (أل) هنا للعهد الذهني أو للعهد الذكري، والمراد بيانه هنا هو توحيد العبادة، وليس المراد هنا إذا قيل بأن الفضل ثابت لتوحيد العبادة أنه يمكن أن يوجد توحيد العبادة دون أخويه، هذا كما ذكرنا سابقًا أن ثَمَّ علاقة تضمن والتزام بين الأنواع الثلاث. إذًا لا يُتَصور بأنه يمكن أن يوجد توحيد العبادة دون أخويه توحيد الربوبية توحيد الأسماء والصفات. فحينئذٍ إذا كان كذلك صار الاختلاف هنا من أجل الوصول إلى مراد المصنف فحسب، وإلا ما ثبت لتوحيد العبادة فهو ثابت للربوبية والأسماء والصفات، لماذا؟ لأنه إما دال عليهما بالتضمن أحدهما أو بالالتزام فدخلا فيه، لكن دخلا على جهة التبع لا على جهة الاستقلال، وليس المراد هنا أن الفضل ثابت لتوحيد الألوهية دون أخوية، بل لهما أيضًا في التبع، إذ من المحال أن يأتي أحد بتوحيد العبادة دون أخوية لما سبق ذكره أن العلاقة بين هذه الأنواع الثلاثة التضمن والتلازم.

قوله: (فضل التوحيد) الإضافة لامية كما سبق، فالمعنى حينئذٍ فضل للتوحيد، وهنا المصنف قال: (فضل التوحيد) وعندنا أمران:

-عندنا توحيد.

-وعندنا موحد.

هذه تعرض لها بعض الشراح، عندنا توحيد، وعندنا موحد، عندنا عمل وعامل، أليس كذلك، وهنا الحكم عُلِّقَ على ماذا؟ على العمل أو العامل أو هما؟ على العمل دون العامل، لماذا عدل بتعليق الحكم والفضل على العمل دون العامل؟ نقول: هنا علق المصنف الفضل على العمل وهو التوحيد لا على العامل وهو الموحِد إذ لم يقل: باب فضل الموحدين كما قال هناك كتاب (( قرة عيون الموحدين ) )سماه باسم العاملين. هنا قال: (باب فضل التوحيد) ولم يقل باب فضل الموحدين لأمرين:

الأول: لأن الحكم على الأول وهو العمل يتبعه الحكم على العامل، هذا الأصل فيه، إذا حُكم على العمل يتبعه الحكم على العامل، إذا قيل بأنه الصلاة من صلى دخل في الإسلام .. إلى آخره حينئذٍ المصلي ثبت له الحكم قطعًا، لماذا؟ لأن الحكم على الأصل وهو العمل دون العامل يستلزم الحكم على العامل إذا تلبس بذلك الوصف، أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: يتبعه ماذا؟ يتبعه الحكم على العامل، وكذلك يحتمل العكس، وقد ذكرنا فيما سبق في ضابط العبادة أن من ضوابطها أن يُثني الله عز وجل على عاملٍ وقد اشتق له اسم فاعل أو نحوه من المصدر، لقوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] لصبره هنا ماذا أثنى على من؟ على العامل، قد يكون العكس فيثني على العامل لما اتصف به من ذلك الوصف فيكون بالعكس، يعني إما أن نُثبت الفضل للعمل فيلزم منه ثبوته للعامل، وقد يكون العكس موجود في الكتاب والسنة، قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أي لصبره، وكذلك جاء قوله تعالى {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] .

لماذا هذه الصفات كلها؟ لماذا أُثْنِيَ عليهم؟ لاتصافهم بما اشتق منه ذلك الوصف وهو اسم الفاعل، {التَّائِبُونَ} هؤلاء ممدوحون لماذا؟ لاتصافهم بصفة التوبة، {الْحَامِدُونَ} لاتصافهم بصفة الحمد، {الرَّاكِعُونَ} .. ... {السَّاجِدونَ} ... إلى آخره {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} هذا كقوله {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} لاتصافهم بصفة الإيمان، لكن المصنف اختار الأول وهو ذكر الفضل للعمل فيلزم منه العامل، ولا نقول بأن هذه الطريقة هي التي تكون معتمدة، لا جاء في الكتاب عكس ذلك وهو أنه يُثْبَتُ الفضل للفاعل للعامل ويلزم منه إثباته للعمل، لأنه ما أُثْنِيَ عليه بمجرده {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} لذاته، لو قيل: زيد صابر. نمدحه، لماذا؟ لكونه اتصف بصفة الصبر، وهكذا .. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت