الأمر الثاني: أن الكلام وإثبات الفضل في العمل يحتاج إلى شيءٍ واحد وهو النظر في الدليل فقط، فنفتقر إلى ذكر الأدلة فقط، وأما الحكم على العامل لا عندنا قواعد، لماذا؟ لأنه تنزيل حكم أو وعدٍ أو وعيدٍ مثلًا والآن المقام في الفضل، وعدٍ على معين، ولا بد من تحقيق الشروط وانتفاء الموانع. إذًا يستلزم أمورًا أخرى لابد من البحث فيها، ففيه تفصيل يتبعه تفصيل، ولذلك اقتصر المصنف على الأول.
إذًا الأمر الثاني: أن الكلام وإثبات الفضل في العمل يحتاج إلى إثبات أدلة الفضل فحسب، وأما إثباته للعامل فهو إن كان لازمًا له كما سبق إلا أنه من باب إجراء الوعد على المعين، وهذا لابد فيه من تحقيق الشروط وانتفاء الموانع. إذًا قوله: (باب فضل التوحيد) عرفنا ما يتعلق به.
(وما يكفر من الذنوب) ، (ما) يحتمل أنها إما موصولية أو مصدرية، والاحتمالان سائغان، فيها وجهان:
أن تكون موصولية والعائد حينئذٍ يكون محذوفًا، لأننا لم يذكره، (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) والذي (يُكفر من الذنوب) ، جملة (يُكفر من الذنوب) هذه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، أين العائد، لا من عائد؟ يكفره محذوف، وهو المفعول به لقوله: (يُكفر) . إذًا أن تكون موصولية والعائد محذوف، أي (باب فضل التوحيد) أي بيانه، وبيان الذي يكفره من الذنوب. وهذا اقتصر عليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى لأنه لا اعتراض عليه، ولم يذكر الوجه الثاني في (( القول المفيد ) ).
ويجوز أن تكون مصدرية وحينئذٍ العائد يكون محذوفًا كذلك؟ والعائد؟ إذا جعلناها موصولة العائد ماذا نقدره؟ يكفره أيضًا؟ تكفيره؟
رحمكم الله إذا كانت مصدرية لا تحتاج إلى عامل، الحرف الموصول لا تحتاج إلى عائد، إنما الذي يحتاج إلى عائد باتفاق هو الاسم الموصول، وأما الحرف الموصول فلا يحتاج، رحمكم الله وعفا عنكم أخذناه مرارًا.
إذًا ويجوز أن تكون مصدرية حينئذٍ لا عائد محذوف، أي وتكفيره الذنوب حينئذٍ ما يكفره، ما: حرف موصول وما بعده فعل مضارع حينئذٍ نقول: (ما) وما دخلت عليه في تأويل المصدر. تكفيره الذنوب، والهاء هذه التي ظهرت ليست هي الضمير العائد الذي هو تكفيره، ذاك مفعول به، وهنا فاعل كأنه قال: وتكفير التوحيد الذنوب، عندنا فعل وهو الذي صار مصدرًا، وعندنا فاعل وفاعل التكفير هنا مَنْ؟ أو ما هو؟
التوحيد - لا نقول: من، ما هو؟ التوحيد، لماذا لا نقول: من؟ لأنها من للعاقل [نعم أحسنت] والتوحيد وصف ليس بعاقل، كل وصف ليس بعاقل فحينئذٍ نقول: وتكفيره الضمير هذا التكفير من إضافة المصدر إلى فاعله، حينئذٍ يعود على التوحيد، كأنه قال: وبيان تكفير التوحيد الذنوب، والذنوب مفعول به للمصدر. قال في (( التيسير ) ): وهذا أرجح، الوجه الثاني أرجح، لأن الأول يُوهم أن ثَمَّ ذنوبًا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد، عندنا تركيبان:
(باب فضل التوحيد) والذي يكفره من الذنوب.
(باب فضل التوحيد) وتكفيره الذنوب.
أيهما أعم؟ وأيهما أخص؟ قال هنا في (( التيسير ) ): الأول الذي هو (ما) موصولة يُوهم أن ثم ذنوبًا لا يكفرها التوحيد. إذًا (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) . إذًا بعض الذنوب لا يُكفرها التوحيد، فهو موهم للظاهر وإن لم يكن مرادًا ولا ثابتًا شرعًا ليس مرادًا للمصنف ولا ثابتًا شرعًا، حينئذٍ والذي يكفره من الذنوب يُفْهِمُ أن بعض الذنوب لا يكفرها التوحيد.
وعلى الوجه الآخر: وتكفيره الذنوب. ظاهره أن كل ذنبٍ يأتي عليه التوحيد، ولذلك رَجَّحَ المصنف الذي هو صاحب (( التيسير ) )الأول، وقد يُقال بأن الأول هو أرجح الذي هو (ما) الموصولية فيكون أرجح وحينئذٍ يقال: باب فضل التوحيد والذي يكفره من الذنوب، هذا عام كالصيغة الثانية، ووجهه أن (ما) اسم موصول بمعنى الذي وهي من صيغ العموم، فتعم كل ذنب يقع عليه التكفير. وقوله: بأنه يوهم، بأن ثم ذنوبًا لم يأت عليها التوحيد هذا لا علاقة له بـ (ما) الفهم ليس من (ما) ، وإنما من قوله: (من) هذه هي التي أوهمت، متى توهم؟ نقول: هي محتملة لأن تكون تبعيضية ويحتمل أن تكون بيانية.