-إذا كانت تبعيضية نقول: هذا ليس مرادًا للمصنف، لأنه أراد جميع الذنوب، ولذلك قال في المسألة (الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب) . إذًا جميع الذنوب، وعليه نقول: الوهم الوارد على الصيغة الأولى: والذي يكفره من الذنوب، ليس من (ما) فلا تحتاج إلى ترجيح، وإنما ورد الْوَهَم من فهم أن (من) للتبعيض، وعليه نجيب بأن (من) هنا للبيان حينئذٍ قوله: (من الذنوب) جار ومجرور متعلق بمحذوف بيان لـ (ما) الذي هو اسم موصول، فحينئذٍ صارت الصيغتان بمنزلةٍ واحدة، كل منهما بمنزلة واحدة.
والظاهر أن الأول أرجح، وهذا الوهم هو من لفظ (من) ، إذ تحتمل التبعيض لا من لفظ (ما) الموصولة بل هي من صيغ العموم، و (من) بيانية لا تبعيضية فلا وَهَمَ حينئذٍ (وما يكفر من الذنوب) سيأتي الكلام في الواو (وما يكفر) هل من عطف العام على الخاص؟ أو بالعكس؟ أو من عطف المفسِّر على المفسَّر؟
أو من الثلاثة، الكفر يُكفر هذا فعل مضارع مشتق من الكفر، الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، الليل يُسمّى كافرًا لأنه يستر الأشخاص ما تراه فيستر الأشياء، والزَّرَّاع لستره البذور في الأرض، الزَّرَّاع يسمى كافرًا، لماذا؟ لأنه مشتق من الكفر وهو الستر والتغطية، لأنه يحفر الأرض، ثم يضع البَذْر ويستره، إذًا هو كافر، صحيح؟ هو كافر أو لا؟ لغةً أو شرعًا، هو كافر لغة لا شرعًا.
لكن انتبه هذا ما يصح فيها المعاريض ولا الشبه لأنه يترتب عليها أحكام.
والزراع لستره البذور في الأرض، والتكفير ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يُعمل كأنه محو له من الوجود كأنه صار معدومًا، ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، التكفير أن يكون بمعنى إزالة الكفر والكفران أن صيغة التفعيل تأتي للإزالة كما هو الشأن في الهمزة أزال، نحو التمريض لكونه إزالة للمرض، وتقذية العين فيه إزالة القذى عنه يعني عن العين. قال تعالى في غير موضع {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [المائدة: 65] يعني أزلنا عنهم آثارها، {نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ و} [النساء: 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] إذًا فيه نوع إزالة، كالتمريض والتقذية، فالتكفير هو: محو الذنب وإزالته حتى يصير كالمعدوم.
قوله: (من الذنوب) من بيانية لا تبعيضية كما سبق، ولا تكون تبعضية البتة، لأن المراد هنا أن التوحيد يكفر جميع الذنوب، وهذه هي الخصيصة الأولى التي تعتبر أم الباب في فضائل التوحيد أنه لا يأتي ذنب إلا والتوحيد يأتي عليه.
و (الذنوب) : جمع ذنب، والذنب في الأصل الأخذ بذَنَبِ الشيء، يعني طرفه. يقال: ذَنَبْتُه أصبت ذَنَبَهُ. مثل رأيته، أصبت رئته، ذَنَبْتُهُ أصبتُ ذَنَبَهُ، ويستعمل في كل فعل يُستوخم عُقْبَاهُ، يعني يعظم من جهة ما يترتب عليه اعتبارًا بذَنَبِ الشيء، ولهذا يُسمى الذنب تَبِعَة، الذنب يُسمى ماذا؟ يُسمى تبعة اعتبارًا لما يحصل من عاقبته، فالذنب حينئذٍ هو ما تقبُح عاقبته. وقوله: (وما يكفر من الذنوب) . عرفنا معنى التكفير ومعنى الذنب.
قوله: (وما) الواو هذه عاطفية ولا شك، لكنها هل هي عاطفية لخاص على عام، أو العكس، أو يحتمل وجهًا ثالثًا؟
قل من تعرض من الشراح لهذه المسألة، ولكن النظر فيها من جهة قوله: ... (فضل التوحيد) هل هو على عمومه، أو على خصوصه؟