قال رحمه الله تعالى: وليس العبد مأمورًا أن ينظر إلى القدر عندما يُؤمر به من الأفعال، يعنى إذا أُمر بفعلٍ ليس مأمورًا أن ينظر إلى القدر وإلا لاستدل به على ترك الامتثال، ولكن عندما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة لدفعها حينئذٍ ينظر إلى القدر. قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] مر معنا هذه الآية. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسَلِّم. ولما قال آدم لموسى: أتلومني على أمرٍ قَدَّرَهُ الله عليَّ قبل أن أخلق بأربعين سنة، حَجَّهُ، حج آدم موسى، لأن موسى قال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لأجل كونه ذنبًا، وأما كونه لأجل الذنب فليس مرادًا له، فإن آدم قد تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه بالاتفاق. إذًا لام موسى آدم هنا على ماذا؟ على الإخراج على المصيبة، وهذا ليس لائقًا لماذا؟ لأنه وقع بقدر الله تعالى، لذلك حَجَّ آدمُ موسى. قال هنا: وأما نحو قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في الغار: لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا. هذه (لو) مثل (لو) التي معنا؟ الجواب: لا، لو رفع رأسه ها في المستقبل، وما كانت لو في المستقبل جائزة، ليس منهيًّا عنه، وهذا المثال صالحٌ لهم، فهذا إخبار عن مستقبل وليس فيه دعوة لرد القدر بعد وقوعه لم يقع شيء حتى يرده، إنما شيءٌ إخبار في المستقبل، ومثله حديث: «لولا حِدْثَان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم» . لم يقع إتمام البيت، أليس كذلك؟ وكذلك حديث: «لو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه» . ما وقع، ... «ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» . وهذا لم يأمرهم. إذًا (لو) في هذه الأحاديث لا يُستدل بها على جواز (لو) مطلقًا كما ذهب بعضهم، إنما نقول هنا (لو) عُلِّقَت بشيء في المستقبل، وهذا جائزٌ، ثم قد يجاب عن بعضها بأنه أراد الخبر المحض. إذًا (لو) إذا أريد بها الخبر المحض لا إشكال فيه جائزةٌ، وإذا أريد بها الاستقبال بأن يكون ما بعده في المستقبل ليس في الماضي حينئذٍ لا إشكال فيه، وشِبْه ذلك من الحديث كله مستقبلٌ لا اعتراض فيه على قدرٍ ولا كراهة فيه، لأنه إما خبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانعُ، وعن ما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته، ما انتهى ووقع ليس في قدرته. وقوله - صلى الله عليه وسلم: «لوستقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» كما مر معنا، فهذا كذلك إخبار عن مستقبل.