فهرس الكتاب

الصفحة 1878 من 2014

ثم السب قليل وكثير فيه عموم، إذًا مطلق السب ممنوع سواء كان مباشرةً أو لم يكن مباشرةً، حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون عامًا من هذه الحيثية، ( «لا تسبوا الريح» ) ، ( «لا» ) ناهية والفعل مجزوم بحرف النون والنهي يقتضي التحريم، والمعنى ( «لا تسبوا الريح» ) أي لا تشتموها ولا تلعنوا الريح وهذا داخلٌ في مفهوم السبّ للحوق ضررٍ فيها، لأنه قد يأتي الضرر للإنسان من جهة الريح فيَسُبّها كأنها هي التي أحدثت الضرر وليس الأمر كذلك، بل هي مأمورة مدبرةٌ مصرفةٌ، حينئذٍ سبّها إذا أصابه ضررٌ بشأنها أو من جهتها سبٌّ لله تعالى، إذًا لا تشتموها ولا تلعنوا الريح للحوق ضررٍ فيها فإنها خلقٌ من خلق الله تعالى مقهورٌ مدبر هو كغيره كالليل والنهار مخلوقٌ مدبر وإنما تَهُبُّ بمشيئة الله وقدرته فلا يجوز سبها البتة، فيرجع السب حينئذٍ إلى من خلقها وسَخَّرَهَا، بل إن وُجِدَت الريح وظُنَّ معها العذاب أو نحو ذلك حينئذٍ تجب التوبة عند التضرر بها، لأنها قلنا: ماذا؟ من العذاب إذًا هي إنذارٌ، وإذا كانت إنذارًا حينئذٍ ما العمل عند وجود الريح؟ التوبة والاستغفار والكف عن الذنوب، وليس سب الريح والطعن والتنقص منها إنما يرجع إلى ربه ويتوب ويستغفر، بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديبٌ من الله تعالى لعباده وتأديبه رحمةٌ للعباد، إذا أراد الله تعالى أن يصيب العباد بما يكرهون حينئذٍ نقول: هذه الكراهة باعتبارهم هم يعني بالنظر القاصر، وأما ما يترتب عليه من رحمة من مغفرة أو إزالة الذنوب ونحو ذلك فهي خيرٌ محضٌ وهو تأديبٌ من الله لعباده وتأديبه رحمةٌ للعباد، فلهذا جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها» إذًا هي بذاتها مقهورةٌ مدبرةٌ مصرفة تحمل خيرًا وتحمل شرًّا، والذي حَمَّلَهَا ذلك وأمرها هو خالقها جل وعلا، وهذا الحديث رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة، وكونها قد تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله، هل بينهما تنافٍ؟ الجواب: لا، تارةً تأتي بالرحمة ولها علاماتها، وتارة تأتي بالعذاب، بل كونها بالعذاب وخاصةً على المؤمنين الموحدين هي رحمةٌ، فلا تنافي من جهة كونها ماذا؟ كونها تحمل عذابًا، وكونها زجرًا وكفًّا وتُحْدِثُ توبةً وأَوبةً وحينئذٍ هي خيرٌ من هذه الجهة، كما هو الشأن في خلق الكفر والمعاصي ونحو ذلك، هذه من جهةٍ هي رحمة، ومن جهةٍ هي عذاب، وكونها قد تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله. روى الترمذي عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا لعن الريح عند ... النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورةٌ، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهلٍ رجعت اللعنة إليه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت