(الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره) . لقوله: ( «فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح» ) ... إلى آخره، بين لهم ماذا؟ أنه إذا رأى ما يكره فيعدل إلى هذا القول، لكن مع الأخذ بالأسباب الأسباب الحسيّة يعني لا يتعرض لها ويقول: اكتفي بهذا الدعاء. لا، إنما يَفِرّ منها ويتحاشاها ويجعل بينه وبينها ما يقيه، الوقاية مطلوبة هو أخذ بالأسباب الحسيّة، ومع ذلك يذكر الدعاء.
(الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة) . (الإرشاد) [هكذا عندكم؟] (الإرشاد) هكذا؟ قال: الإشارة إلى أنها مأمورة، على كلٍّ لقوله: ( «ما أُمِرَت به» ) . إرشاد أو إشارة إلى أنها مأمورة يعني أرشد بَيَّنَ يعني أخبر، والإرشاد بمعنى الإخبار، فإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول: الإرشاد إلى أنها مأمورة، أو الإشارة إلى أنها مأمورة، دلّ ذلك على أنها إذا كانت مأمورة من الآمر؟ الله عز وجل، إذًا سَبُّكَ لها سبٌّ للآمر هذا الذي عناه المصنف بهذه المسألة (الإرشاد إلى أنها مأمورة) ، وإذا كانت مأمورة الآمر لها هو الله عز وجل، فإذا سببتها ولعنتها وقدحت فيها وتنقصت منها حينئذٍ الذي صَرَّفَهَا وأمرها هذا السب له.
(الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر) . هي نفسها ذاتها، قد تؤمر بخير وتؤمر بشر، ولذلك فسّر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ( «نسألك من خير هذه الريح» ) . قال: ( «ونعوذ بك من شر هذه الريح» ) . إذًا فيها خير وفيها شرّ، والله تعالى أعلم.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] ) .
هذا هو الباب التاسع والخمسون من أبواب كتاب التوحيد (باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} ) .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله، لأنه من واجبات التوحيد، عكس وجوب إحسان الظن ما هو؟ إساءة الظن، حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون محرمًا، إذًا إذا أوجب إحسان الظن بالله تعالى لَزِمَ منه تحريم إساءة الظن بالله تعالى، وأن سُوءَ الظن بالله يُنافي التوحيد، يُنافي التوحيد من أصله أو من كماله؟ محتمل، قد يكون منافيًا لأصله وقد يكون منافيًا لكماله بحسب ما يقوم بقلب العبد من ذلك، لأن سوء الظن في الأصل محله القلب، لكن قد يعتري اللسان فيُعَبِّرُ عما في قلبه، أو بجوارحه، فيُمْلِي القلب على الجوارح، حينئذٍ نقول: الأصل محله القلب إحسان الظن، لأن الظن هو نوع من أنواع العلم فمحله القلب.