إذًا مناسبة الباب أراد المصنف أن يُبَيِّن وجوب حسن الظن بالله إذ هو من واجبات التوحيد والإخلال به قد يُخِلُّ بالتوحيد من أصله أو من كماله الواجب، يُقابل وجوب حسن الظن إساءة الظن بالله تعالى، فهي محرمة حينئذٍ إساءة الظن كذلك مُخِلَّة بالتوحيد، قد تُخِلُّ بأصله وقد تُخِلُّ بماذا؟ بكمال الواجب فيُنظر فيه، ولذلك ذمّ الله من أساء الظن به كثيرًا في القرن وخاصة ما يتعلق بشأن المنافقين، لأن سوء الظن هذا ليس من صفات المسلم قل أم كثر، ليس من صفات أهل الإسلام أهل التوحيد إنما ذكره الله تعالى في شأن المنافقين، هم الذين من شأنهم إساءة الظن بالله تعالى. إذًا ذَمَّ الله تعالى من أساء الظن به لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه وحسن اختياره وقوة التوكل عليه فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله. إذًا حُسن الظن بالله هذا مما يُفيده العلم بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا. إذًا هو ثمرة، ولذلك هو متعلق بجانبين:
الأول: توحيد الربوبية.
والثاني: توحيد الأسماء والصفات.
فمن نظر في هذين النوعين أثمر عنده حسن الظن بالله تعالى، كماله كمال علمه بهذين النوعين التوحيدين كمالٌ في إحسان الظن بالله تعالى، والنقص بالنقص، فالحصة بالحصة، فمن كَمُلَ علمه بربوبية الله تعالى تعلَّق قلبه بربه جل وعلا وكَمُلَ إحسان الظنّ بقلبه بالله تعالى، وإذا كَمُلَ العلم بأسماء الله تعالى وصفاته حينئذٍ كَمُلَ عنده إحسان الظن، ولذلك مبنى حسن الظن على العلم بصفات الله تعالى وأسمائه الحسنى برحمة الله تعالى وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه وحسن اختياره وقوة التوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله تعالى، وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق ومعاني أسماء الله وصفاته قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسمٍ وصفةٍ، يعني الرحمة من أسماء الله تعالى الرحمن الرحيم دل على صفة الرحمة تُحْسِنَ الظن بالله تعالى أنك إذا قُمت بأسباب الرحمة أن تكون من المرحومين.
من أسمائه تعالى الرَّزَّاق إذًا الرزق بيد الله تعالى فتُحْسِنُ الظنّ بالله تعالى أنك إذا بذلت الأسباب الشرعية أن الله تعالى لم يخيب سعيك، هذا الأصل .. وهكذا، فكل اسم له مقتضى، مقتضاه الخاص لأن الرحمة غير الرزق غير القدرة غير سائر الصفات، فكل اسمٍ له ما يتعلق بحسن الظن الذي يتعلق به المكلَّف، ولذلك قال في (( التيسير ) ): وبالجملة - وهي عبارة ابن القيم - فمن قام بقلبه حقائق ومعاني أسماء الله وصفاته قام به من حسن الظن ما يُناسب كل اسمٍ وصفة، بمعنى الرحمة هذا اسمٌ وله صفةٌ الرحمن له صفة الرحمة يناسبها حسن ظن خاص ليس مطلقًا، وإنما بذل أسباب الرحمة، وحينئذٍ يُحسن الظن بربه أنه سيكون من المرحومين .. وهكذا، لأن كل صفةٍ لها عبودية خاصة وحسن ظنٍّ خاص، اتضحت؟ [نعم]
وقد جاء في الحديث القدسي قال الله تعالى:"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني". رواه البخاري ومسلم.