وظن غير ما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، ثم قال: (فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق) يعني فقد ظن به ظن السوء (فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل) يعني يزول ويتلاشى (معها الحق) اضمحلالًا لا يكون معه أبدًا فقد ظن به ظن السوء لأنه نسبه إلى ما لا يليق بجلاله وكماله ونعوته وصفاته كما سبق، قوله: (أو أنكر) . هذا نوعٌ آخر (أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره) أي فذلك ظن السوء كذلك لأنه نسبه إلى ما لا يليق بربوبيته وملكه، (أو أنكر أن يكون قَدَّرَهُ لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك) أي هذا الظن (ظن الذين كفروا) ليس ظن المؤمنين لأن الذي يكذب القدر ليس بمسلم، الذي يكذب بالقدر ليس بمسلمٍ (ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدره من ذلك وغيره لحكمةٍ بالغة وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحب إليه من فواتها وأن تلك الأسباب المكروهةً المفضيةً إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، يعني لو كانت مكروهةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيترتب عليها من الحكم العظيمة، الشر ليس إليك ما من شرٍ يُصيب المرء في هذه الحياة إلا ويترتب عليه من خيرٍ أدركه أو لم يدركه، وإن كانت مكروهةً له فما قدرها سُدَى ولا شاءها عبسًا ولا خلقها باطلاًَ (فذلك ظن الذين كفروا) أي الذين يظنون أن الله خلقها باطلًا وعبسًا وسفهًا ولعبًا، كل ذلك يعتبر من ظن الذين كفروا لأنه قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} [ص: 27] . لو لم يكن حسابٌ ولم يكن تكليفٌ لكان خلق السماوات والأرض باطلًا، لكن لم يكن الأمر كذلك (فذلك ظن الذين كفروا) فالظن بأنها خلقت باطلًا لا لحكمةٍ عظيمة ظن الذين كفروا (فويل) هذا وعيد (فويل للذين كفروا من النار) ويلٌ هذا مبتدأ سَوَّغ ابتداء بها التعظيم، وجملة أو (للذين) جار مجرور متعلق بمحذوف خبر، ويلٌ للذين كفروا هذا خبر المبتدأ (من النار) بيان لويل وهي كلمة وعيد، وقيل اسمٌ لوادٍ في جهنم، ثم قال رحمه الله تعالى: (وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم) . (وأكثر الناس) ليسوا من المؤمنين، وإنما من بني آدم يعني وغالب بني آدم ليس الحكم خاصًا بالمؤمنين لأن المنافقين مطلقًا دون استثناء يظنون ظن السوء، وكذلك المشركون والمشركات يظنون ظن السوء، والمؤمنون قد يقع منهم.