قال رحمه الله تعالى بعد ما بين ذلك (فليعتن) إذًا بين الظن السوء ما المراد به، ثم بين السبب، أليس كذلك؟ ذكر ثلاثة أقوال في تفسير هذا الظن السيئ فسره بثلاثة أشياء، ثم عَلَّل لماذا وجد هذا الظن؟ قال: وإنما كان هذا ظن السوء لماذا وُجِدَ؟ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه. ثم قال: (وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء) يعني أن هذا مما عمة به البلوى، ثم بين السبب الذي إذا تمسك به الإنسان سَلِمَ من الوقوع في هذا الظن قال: (ولا يسلم من ذلك) أي ظن السيئ بجميع أنواعه إلا من عرف الله وأسمائه وصفاته وموجب حكمته وحمده ثم قال: (فليعتن) عاد إلى شيء يتعلق بالمرء نفسه المحاسبة يعني فليحاسب نفسه، بل ينظر (فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا) ، (اللبيب) يعني العاقل (اللبيب) هذا فَعِيل، أليس كذلك؟ مأخوذ من اللب وهو العقل، حينئذٍ لَبِيب فعيل بمعنى العاقل، فليعتن اللبيب بهذا، ما هو هذا المشار إليه هو الظن بالله عز وجل، ليعتن به حتى يظن بالله ظن الحق لا ظن السوء وظن الجاهلية، يعتني به يعني فلينظر في نفسه في حاله وليستكشف هل يظن بربه ظن الحق أم الظن السيئ، لأنه قد يقع بين الأمرين. قال: (وليتب إلى الله) يعني إن وجد أنه قد ظن به ظن السوء (وليتب إلى الله) يعني يرجع إليه لأن التوبة هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والظن السيئ هذا معصية، إذا استرسل فيه الإنسان قد يصل به إلى شيءٍ غير محمودٍ البتة، (وليستغفره) أي يطلب منه المغفرة، واللام في قوله (وليتب) ، (وليستغفره) للأمر، يعني الذي جاء به الشرع وليس كلام ابن القيم مما يؤخذ منه ذلك، وإنما المراد به الموافق للشرع. قال: ... (وليتب إلى الله وليستغفره) من ماذا؟ (من ظنه بربه ظن السوء) ، ... (فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب) إن وُجِدَ شيئًا مما يتعلق بربه وأنه ظنٌ سوء، وليظن بنفسه التي هي مأوى كل سيء ومتبع كل شرٍّ، المركبة على الجهل والظلم، فإنها أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين، يعني بدلًا من أن تظن بالله تعالى ظن السوء ظن بنفسك أنت ظن السوء فإنها أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد الذي له الغنى التام وله الحمد التام والحكمة البالغة، المنزه عن كل سوءٍ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجهٍ وصفاته كذلك وأسمائه كلها حسنى وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل .. إلى آخره
فَلا تَظْنُنْ بِرَبِكَ ظَنَّ سَوْءٍ ... فَإنَّ اللهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ
وَلا تَظْنُنْ بِنَفْسِكَ قَطُ خَيْرًا ... وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ
وَظُنَّ بِنَفْسِكَ السُّوءَ تَجِدُهَا ... كَذَاكَ وَخَيْرُهَا كَالْمُسْتَحِيلِ
وَمَا بِكَ مِنْ تُقَى فِيْهَا وَخَيْرٍ ... فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الْجَلِيلِ
وَلَيْسَ لَهَا وَلا مِنْهَا وَلَكِن ... مِنَ الرَّحْمَنِ فَاشْكُرْ لِلِدَلِيلِ
إذًا كل خيرٍ فهو من الله تعالى.