قلنا: التصور هذا إدراك المفرد، أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: هذا ما لم يكن فهو جهلٌ، إذًا الإنكار ضد العرفان، وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره ذلك ضربٌ من الجهل، يعني نوعٌ من أنواع الجهل. قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] ، {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58] . وقد يستعمل ذلك الإنكار فيما يُنكر باللسان، وسبب الإنكار باللسان هو الإنكار بالقلب، يعني الأصل في الإنكار يكون بالقلب، لماذا؟ لأنه ضد العرفان، يعني ضد المعرفة، المعرفة محلها القلب هذا الأصل، والمعرفة والعلم على الصحيح مترادفان بمعنى واحد، ومحلهما القلب، إذًا نقيضهما وضدهما الذي هو الإنكار يكون محله القلب هذا الأصل فيه، فإن كان في اللسان حينئذٍ يكون فرعًا عن ما في القلب، فإن وجد الإنكار في اللسان حينئذٍ لما قام بالقلب من ذلك. فقال هنا: وسبب الإنكار باللسان هو الإنكار بالقلب لكن ربما يُنكر اللسان الشيء وصورته في القلب حاصلة. يعني قد ينكر بلسانه ما لا يُنكره بقلبه فيكون كذبًا، فيكون نوعًا من الكذب، لماذا؟ لأن الأصل في الإنكار إنما يكون بالقلب، فإذا كان باللسان دون القلب حينئذٍ يكون هذا نوع من الكذب، وربما ينكر الإنسان الشيء وصورته في القلب حاصلةٌ ويكون في ذلك كاذبًا، وعلى ذلك قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} ... [النحل: 83] يعرفون ثم ينكرون، قلنا: يجتمع في الإنسان هنا ماذا؟ الضدان، مر معنا المسألة الأخير في الباب السابق فيما سبق أنه يجتمع في القلب ضدان، قلنا: المعرفة والنكرة، كالإيمان والكفر يجتمعان لكن الكفر الأصغر كذلك الشرك الأصغر يجتمعان، إذًا المعرفة بالشيء ونكران الشيء قد يجتمعان ولكن لا من جهةٌ واحدة، فإذا وُجِدَ في القلب النكران فأنكر بلسانه تطابقا، وإذا أنكر بلسانه لشيء يعتقده بقلبه يعني ضده حينئذٍ نقول: هذا يعتبر كذبًا، فالأصل في الإنكار لا يكون باللسان، وإنما يكون في القلب، فإذا عبر بلسانه بكونه منكرًا لشيء يُقِرُّ به في قلبه فيكون كاذبًا حينئذٍ. إذًا (ما جاء في منكري القدر) . (القدر) بالفتح ويسكن فتح الدال يقال على وزن فَعْل، ويقال فَعَل وجهان، والأشهر الفتح، القدر بالفتح ما يقدره الله تعالى من القضاء وما يجري في الكون فهو تقدير الله للكائنات، وهو سر مكتومٌ لا يعلمه إلا الله، وتفسيره وكيفيته هذا بذكر المراتب الأربعة إذ الأصل من حيث الجملة أو من حيث الإجمال نقول: القدر تقدير الله تعالى للكائنات، قَدَّرَ عَلِمَ فكتب فشاء فخلق الكائنات إنما توجد على هذا النمط، عَلِمَ بها جل وعلا بعلمه السابق كتب ذلك في اللوح، ثم بعد ذلك شَاءَ ثم خَلَقَ، هذا هو القدر، تقدير الله تعالى للكائنات، وما يجري في الكون كل ما يجري في الكون يكون على هذه المراتب الأربعة، فهو تقدير الله للكائنات وهو سرٌ مكتوم لا يعلمه إلا الله إلا إذا أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أو يُعلم بعد أن يقع، وإنما يكون غيبًا متى؟ قبل وقوعه، وأما بعد أن يقع فحينئذٍ نعلم أن هذا قدر الله تعالى كما مر معنا ولكن قدر الله، فالقدر سر الله في خلقه ولا نعلمه إلا بعد وقوعه سواء كان خيرًا أو شرًّا.