قال القرطبي رحمه الله تعالى: القدر مصدر قَدَرْتُ الشيء بتخفيف الدال، أَقْدِرُه وأَقْدُرُه، يعني قَدَرْتُ أَقْدِرُ أفعِلٌ بكسر العين، وأقدُر يعني بضم العين، أَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا، ولذلك قلنا: القَدَرُ والْقَدْرُ، يعنى بمعنى واحد. قال: قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحط بمقداره، ويقال: قَدَّرْتُ أُقَدِّرُ تَقْدِيرًا يعني يأتي بالتثقيل ويأتي بالتخفيف، مُشدَّد الدال للتَّضْعِيف، فإذا قلنا: إن الله تعالى قَدَّرَ الأشياء، ما المراد بهذا الكلام؟ إن الله قَدَّرَ الأشياء، وهذا نسبة القدر إلى الله تعالى قدر وصفته بماذا؟ بكونه مقدرًا أليس كذلك؟ نسبته إلى التقدير، عندما يقال إن الله تعالى مقدر الأشياء معناه أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها هذا العلم السابق، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يُوجده على نحو ما سبق في علمه، يعني جمع بين الخلق وبين العلم ولم يذكر الكتاب والمشيئة من باب الاختصار، فلا مُحْدَثَ في العالم العلوي والسفلي إلا هو صادرٌ عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين السلف الماضيين الذي دلت عليه البراهين فما من شيء في الكون في العالم العلوي السماوات السبع والأراضين السبع ما من شيءٍ يتحرف أو يُوجد أو قل على جهة العموم مخلوق إلا والله تعالى خالقه وعلم به قبل وجوده، وكتب ذلك قبل خلقه ثم شاءه ثم أوجده، والْقَدَر يُطلق على معنيين على المشهور عند أهل العلم في الاستعمال:
-إما أن يراد به المعنى المصدري وهو التقدير الذي ذكرناه سابقًا.
-وإما أن يراد به اسم المفعول، يعني المقدور.
فيطلق القدر بمعنى المصدري التقدير.
ويطلق بمعنى اسم المفعول يعني الْمُقَدَّر ما قدره الله تعالى.
فالتقدير يكون مصاحبًا للفعل وسابقًا له، [التقدير يكون مصاحبًا للعلم، لا نعم] فالتقدير يكون مصاحبًا للفعل وسابقًا له، بمعنى ماذا؟ أن الله تعالى يعلم الشيء قبل وجوده، ثم يُوجَدُ. إذًا عندنا تقديران هنا:
-تقديرٌ سابقٌ وهو علمه السابق.
-وعندنا تقديرٌ مصاحبٌ للفعل وهو الإيجاد، فيعلم الله تعالى أنه سيخلق سبع سماوات، إذًا قبل وجودها هي مقدرة، ثم إيجادها هذا نوع كذلك من أنواع التقدير، حينئذٍ التقدير يكون مصاحبًا للفعل وسابقًا له، يعني يجتمع فيه أمران: يكون سابقًا، ويكون مصاحبًا.
فالمصاحب للفعل هو الذي يكون به الفعل يعني يكون مقارنًا للخلق والتكوين، والسابق هو الذي قَدَّرَهُ الله في الأذل، يعني لا يكون معه خلقٌ، السابق التقدير السابق لا يكون معه خلق، إنما علمه جل وعلا لعلمه الأزلي ثم كتب ذلك في اللوح، هنا لم يخلق بعد، هذا يسمى ماذا؟ يسمى تقديرًا، ثم إيجاده منذ أن يوجد ابتداءً مقارنة بإرادته جل وعلا نقول: هذا تقدير آخر. حينئذٍ التقدير يكون مصاحبًا، ويكون سابقًا، هذا عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال البغوي في (( شرح السنة ) ): الإيمان بالقدر فرضٌ لازم. وهذا فرض عين يعني أصله يعتبر من فروض الأعيان كالعلم بالإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله واليوم الآخر، كذلك الإيمان بالقضاء والقدر هذا فرض لازم يتعين على كل مسلم أن يعلمه على جهة الإجمال في الإجمال، وعلى جهة التفصيل في التفصيل، يعني ثم مرتبتان:
-مرتبةٌ هي إجمالية.
-ومرتبةٌ هي على جهة التفصيل.
قال البغوي: الإيمان بالقدر فرضٌ لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد. لأن ما في الكون من مخلوقٍ إلا والله تعالى خالقه، ومن ذلك الإنسان، وعبر بعضهم بالحيوان ليشمل الجميع، حينئذٍ يقول: الإنسان مخلوق، وأفعاله كذلك مخلوقة، لأن خالق الأصل خالقٌ للفرع. ولذلك قال: أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرّها. ونص على أفعال العباد لماذا؟ ردًّا على أهل البدع على المعتزلة، نقول: أهل البدع يشمل الكفار، يعني ليس فيه نفي للكفر عنهم، حينئذٍ نقول: نص على أفعال العباد لكونه أراد أن يردّ على من نازع في هذه المسألة.