فهرس الكتاب

الصفحة 1906 من 2014

خالق أعمال العباد خيرها وشرّها كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] . يعني وما تعملونه كذلك يعتبر مخلوقًا، فالإيمان والكفر من أعمال العباد، أليس كذلك؟ الإيمان هذا وصف للعبد، إذًا هو فعل له كذلك الكفر وصفٌ للعبد كذلك هو فعلٌ له، فالإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب.

إذًا كلٌّ من الإيمان والكفر يعتبر من أفعال العباد، والله تعالى خالقٌ للإيمان والكفر، ونسبة الإيمان نسبةُ مباشرة للعبد وهو فعله، ونسبة خلقٍ وهذه تنسب إلى الله تعالى. إذًا خالق أفعال العباد خيرها كالإيمان والطاعة، وشرها كالكفر والمعصية الخالق هو الله تعالى، ولا يلزم من ذلك أن يكون العبد مجبورًا كما سيأتي.

قال الله تعالى: {وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] . يضل الظالمين، من الذي أضل الظالمين؟ الله عز وجل، إذًا بإرادته ومشيئته، والضلال الذي يكون عليه الضالون فعلٌ لهم منسوبٌ لهم، والله تعالى خالقه، يحبه؟ الجواب: لا، لا يحبه {وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} يفعل بنفسه، ويفعل بغيره جل وعلا، فما يشاء هنا فيها عموم.

قال رحمه الله تعالى: والقدر سرٌّ. الكلام للبغوي، والقدر سرٌّ من أسرار الله تعالى لم يُطْلِعْ عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، أما بطريق الشرع فلا إشكال فيه البتة، بل يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فريقين:

-أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا منه وإحسانًا.

-وأهل الشمال خلقهم للجحيم عدلًا منه ولم يظلمهم.

إذًا يعتقد ذلك أو لا؟ قل: نعم، يجب أن يعتقد ذلك قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} [الأعراف: 179] . {ذَرَأْنَا} خلقنا دل ذلك على أن أفعال العباد منسوبةٌ إليهم، وحينئذٍ يعاقبون أو يثابون، ووجود المعصية لا يحبها الله تعالى وإن كان خالقًا لها لعموم قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] .

ومراتب القضاء والقدر أربع مراتب وهي التي بها يتم أو العلم بالقضاء والقدر كيف يكون، يكون بتحقيق هذه المراتب الأربعة:

الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، يعني العلم الأزلي السابق، علم بالأشياء قبل خلقها، قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} [الحج: 70] . {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ} ، {مَا فِي السَّمَاء} كل ما في السماء، {وَالْأَرْضِ} كل ما في الأرض فيعلمه الله تعالى حينئذٍ هذا فيه عموم يعلمه قبل وجوده وبعد وجوده، أليس كذلك؟ يعلمه على جهة الإجمال وعلى جهة التفصيل، خلق السماء وخلق الأرض ويعلم ما في السماء ويعلم ما في الأرض سواءٌ كان سابقًا أو لاحقًا. وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} يعني محفوظ مكتوب {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فنؤمن بأن الله تعالى علم كل شيء جملةً وتفصيلًا، فعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلمه جل وعلا يتعلق بالجائز، بالواجب، بالمستحيل، يعني بالممكن والمستحيل، كل ما أمكن فعلمه جل وعلا متعلقٌ به، وكل ما امتنع كذلك أو سُمِّيَ بالمستحيل فكل شيءٍ معلومٌ لله تعالى سواءٌ كان من أفعاله أو من أفعال العباد.

الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السماوات والأرض فالآية السابقة دليلٌ عليها {إِنَّ ذَلِكَ} أي المعلوم {فِي كِتَابٍ} أي مكتوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت