الثالثة: المشيئة العامة المتناولة لكل موجودٍ فلا خروج لكائنٍ عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه، كما أنه لا يخرج عن علمه جل وعلا شيءٌ من الأشياء أيًّا كان، كذلك لا يخرج عن مشيئته، فما في الوجود من شيءٍ - وهو مخلوق - إلا والله تعالى قد شاءه، وما يفعل العباد فكذلك قد شاءه الله تعالى وإن كانت له المشيئة إلا أنها تابعةٌ لمشيئة الله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] . فهذه المشيئة كونية يعني لا تنقسم إنما هي مشيئةٌ واحدة، فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبدًا، لا يوجد في ملكه ما لا يريده أبدًا، أليس كذلك؟ إذا شاء شيء كان، إذا لم يكن دل على أنه لم يشأ، فيه تلازم أو لا؟ فيه تلازم إذا شاء الشيء كان، إذا لم يكن دليلٌ على أنه لم يشأه، ولذلك قلنا بالأمس: أن ما لم يكن حينئذٍ يقول: هذا اعتراضٌ شيءٌ ما شاءه الله تعالى فكيف حينئذٍ تربط مشيئتك بمشيئته جل وعلا، شيء انتفى لم يكن حينئذٍ يكون فيه اعتراضًا على القدر، كذلك شيءٌ شاءه ولم تشأه أنت، أليس كذلك؟ قلنا: هذا فيه اعتراضٌ على القدر، (لو) كان كذا لكان كذا كلٌّ متعلق بالوجود وبالعدم، (لو) لم يكن كذا، (لو) كان كذا حينئذٍ يكون اعتراضًا على ما وُجِدَ وكان بمشيئة الله تعالى لو لم يكن، أو شيءٌ لم يكن لو كان حينئذٍ يكون الاعتراض من جهة الإيجاد ومن جهة العدم.
الرابعة: الخلق.
إذًا: العلم السابق الأزلي، ثم الكتابة، ثم بعد ذلك المشيئة العامة، ثم بعد ذلك الخلق.
خَلْقُهُ لهذه الموجودات وإيجاده وتكوينه والله تعالى خالق كل شيء وما سواه مخلوق، ليس ثَمَّ إلا خالقٌ ومخلوقٌ {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] . {كُلِّ} هذه صيغة عموم، فتدل على أن كل ما سوى الله والله تعالى هنا بأسمائه وصفاته ولذلك استدل أهل العلم بأن هذه الآية تدل على أن أسماءه وصفاته ليست مخلوقة لأنها تابعةٌ للذات، وإذا كان الله تعالى لا يدخل هذا لا يتصوره عقلٌ يقول: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، {خَالِقُ} إذًا يستلزمه مخلوقًا، إذًا غيره فكيف يأتي العقل يُشكل أو يَسْتَشْكِلُ بأن الشيء هل دخل فيه الله تعالى أم لا؟ والشيء يطلق على الباري جل وعلا، هذا فسادٌ في العقل والتصور، وهذا لا يتأتى في عقل مسلمٍ عرف ربه أنه يتعلق به الخلق، {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} إذًا {كُلِّ} هذه صيغة عموم، فتدل على أن كل ما يصدق عليه أنه شيء فالله تعالى خالقه، والإنسان شيء. إذًا الله خالقه، إذًا أفعال العباد التي يُوصف بها العبد حينئذٍ نقول: هذه داخلةٌ في قوله: {كُلِّ شَيْءٍ} فهي مخلوقة، هذا العموم ليس له مخصصٌ البتة، ولا نقول كما يقول السيوطي وغيره: أنه عامٌ أريد به الخاص. يعني ما سوى الله تعالى، لأنه يحتمله العقل أنه دخل الباري جل وعلا هذا فسادٌ هذا باطل، بل هو عامٌ لا مخصص له البتة وليس عامًا أريد به الخصوص، ودخل فيه فعل العبد فهو مخلوقٌ لله تعالى لأن فعل العبد أو فعل المخلوق من صفاته، والصفات يحذى بها حَذْوَ الذات إذا كانت الذات مخلوق حينئذٍ الصفات منها الفعل يكون ماذا؟ يكون مخلوقًا، وإذا كانت الذات غير مخلوقة فالصفات كذلك ليست مخلوقة، واضح هذا؟ حينئذٍ نقول: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} دخل فيه العبد، والعبد مخلوق، وفعله كذلك من صفاته فهي مخلوقة، فالعبد وصفاته مخلوقان، ولأن فعله ناتجٌ عن أمرين - هذا وجهٌ آخر:
-إرادة جازمة.
وقدرةٌ تامة.
يعني كل عبدٍ إذا فَعَلَ الفعل ووُجِدَ حينئذٍ لا يوجد إلا بإرادةٍ جازمة، أراد الشيء وهو التخصيص ما يدل على التخصيص والميل، حينئذٍ إرادة جازمة، وقدرة تامة، فالعبد كما أن من صفاته العين والأنف والأذن كذلك من صفاته ماذا؟ أنه يُريد، وأن عنده قدرة، كما أن عينه مخلوقة وسمعه مخلوق وأذنه مخلوقة وأنفه مخلوق كذلك إرادته مخلوقة وقدرته مخلوقة.