الطائفة الأولى المسماة بالجبرية في الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، عنون لهم أهل العلم بالجبرية لِمَا سيأتي، هؤلاء غلوا في إثبات القدر، من غلوهم في إثبات القدر نَفَوْا أفعال العباد، يعني العبد ليس له فعلٌ البتة، وزَعَمُوا أنهم لا يفعلون شيئًا وزعموا أنهم يعني العباد لا يفعلون شيئًا البتة ليس لهم فعلٌ، وأفعالهم التي تصدر عنهم فعلٌ لله تعالى ليست أفعالًا لهم، إذًا لماذا خلقوا؟ لماذا وجدوا؟ هذا الذهاب والإتيان والكبر والصغر والنكاح كل ذلك من أين؟ هذا كله ينسب إلى الله تعالى والعبد ليس له شيءٌ البتة، هؤلاء غلوا في إثبات القدر فجعلوا أن كل شيء خلقه الله تعالى مباشرةً، فلا يُنسب إلى العبد شيءٌ البتة، نَفَوْا أفعال العباد وزعموا أنهم لا يفعلون شيئًا البتة، وإنما الله هو فاعلٌ تلك الأفعال حقيقةً، فهي نفس فعله لا أفعاله، يعني لا تنسب إلى العباد، والعبيد ليس لهم قدرةٌ ولا إرادة ولا فعلٌ البتة، وإنما أفعال العباد قالوا: كحفيف الشجر أو كحركة المرتعش والكل فعل الله تعالى. يعني كل ما يصدر عن العبد حينئذٍ الشجرة إذا جاء الهواء ماذا تصنع؟ تتحرك، أو بالأصح تُحَرَّك، أما هي لا تتحرك بنفسها، قالوا كذلك العبد فأفعاله كحركة أو حفيف الشجر، أو حركة المرتعش، كإذا كان مريضًا ولم يسيطر على نفسه يخاف إذا خاف من شيئًا مثلًا ما فإذا ارتعش من شدة الخوف هذا ليس فعلًا له هو لا يفعله، وإنما يقوم به ويحصل له، حينئذٍ يقال وأفعاله كحركة المرتعش، هذا لا يُنسب إليه، بل يراه عيبًا ونقصًا، حينئذٍ قالوا: هذه ليست باختياره، فإذا لم يكن باختياره فلا ينسب إليه، كذلك ما يحصل للشجر ونحوه، والكل فعل الله تعالى، وعليه إذا تقرر هذا بأن العبد لم يفعل شيئًا البتة، وأن الفعل منسوب إلى الله تعالى حقيقةً لزمهم قول باطل إن أقروا به كفروا وقد أقروا به، وهو أن كل ما يصدر عن العبد من طاعات ومعاصي فالله تعالى هو الفاعل، فلو أطاع قد يقال بأنه ليس فيه محذور، لكن إن فعل محرمًا زنا إن لاط إن سرق إن شرب الخمر من الفاعل؟ قالوا: الله تعالى. وهذا كفرٌ وخروج من الملة. ولذلك قالوا عليه سائر الأفعال تعتبر ماذا؟ تعتبر طاعات، يعني بالنسبة إلى الحكم الشرعي لا شك أننا نحكم عليه بماذا؟ بأن ما يفعله يكون محرمًا، لكن باعتبار ما يقرر عندهم عند الجبرية بأن الطاعة هي موافقة الأمر الكوني، انظر إلى أين وصلوا، أن الطاعة هي موافقة الأمر الكوني، ما المراد بهذا؟ المراد أن كل ما يُوجد على وجه الأرض من فعل المخلوق وغيره حينئذٍ يكون ماذا؟ يعني العبد وغير يكون منسوبًا إلى الله تعالى، فيكون العبد قد وافق الأمر الكوني، وإذا وافق الأمر الكوني حينئذٍ يكون طاعةً، فلو شرب الخمر هذا مخلوق أو لا؟ هذا مخلوق، هل يقع في الكون شيءٌ لم يشأه الله تعالى؟ نقول: لا، لا يقع، إذًا هذا وافق الأمر الكوني فصار طاعةً، إذًا شرب الخمر يعتبر ماذا؟ يعتبر طاعةً، وهذا كفر.
قال هنا: وعليه فسائر الأفعال طاعة لأنها موافقة لإرادة الله الكونية القدرية فالزنا والخمر والقتل وسائر المحرمات طاعات على هذا القول، وهذا باطل لأنه يلزم منه محال. ولذا قال بعض غلاتهم:
أصبحت منفعلًا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
أصبحت منفعلًا منفعل يعني ماذا؟ يعني استجاب لما أراده الله تعالى هذا الانفعال استجاب لما يختاره ربي، إذًا اختاره من؟ الله تعالى، ففعلي كله طاعات فكل ما يصدر عنه فهو طاعات، لماذا؟
لأن هذا الفعل يكون مخلوقًا، وإذا كان مخلوقًا حينئذٍ صار بمشيئة الله تعالى
، إذًا وافق الإرادة الكونية وكل ما وافق الإرادة الكونية فهو باطل، ... [فهذا الفساد فساد] فهذا المذهب فساده يُغني عن إفساده.
فالجبرية غلوا في إثبات القدر فسلبوا العبد اختياره وقدرته، ليس له قدرة وليس له اختيار البتة، وإنما الفعل فعل الله تعالى، والطاعة إنما هي موافقة الأمر الكوني، فلذلك مرقوا من الإسلام، وسموا بذلك لذلك لأنهم يقولون: إنا مجبرون على أفعالنا، فالعبد لا فعل له البتة، العبد ليس له فعلٌ البتة، وكما قلنا: هذا المذهب فاسد باطل يرد إجماع السلف كما مر.