الطائفة الثانية: القدرية - الأولى الجبرية منسوبة إلى الجبر إنا مجبرون جبرنا الله تعالى على ذلك حينئذٍ سموا بذلك وهم الجمهية - الطائفة الثانية القدرية وهم أكثر المعتزلة، وبعضهم يقول: القدرية المعتزلة. وإن كان أكثر المعتزلة على هذا، وهم نفاة القدر، القائلون: إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره. عكس ما سبق، وهذا الذي يحصل بين هذه الفرق، وهذا يأتي ببدعة، وهذا يأتي بما يضادها، وكل منهما يدَّعُون ماذا؟ أنهم على الحق، أولئك غَلَوا في إثبات القدر، فنفوا القدرة والاختيار والإرادة عن المخلوقين، هؤلاء عكسوا قالوا: لا، هذا له قدرة وله اختيار وله مشيئة، والله تعالى لا تتبع مشيئته مشيئة الله تعالى، فلا يعلم ما سيكون إلا بعد أن يقع، إن أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله سبحانه - على زعمهم - لا يقدر على أفعال العباد ولا شاءها منهم، يعني كل واحد منهم ماذا؟ له مشيئة تخصه حينئذٍ هو الذي يشاء وأما الله تعالى لا علاقة له البتة فهو الذي يوجب فعله، وهو الذي يخصص، وهو الذي يفعل .. إلى آخر ما ذكره، فالله سبحانه على زعمهم لا يقدر على أفعال العباد ولا شاءها منهم، ولكنهم يعملونه دون مشيئة الله وقدرته، وأن الله تعالى لا يقدر أن يهدي ضالًا ولا يُضل مُهْتَدِيًا، لماذا؟ لأنه لا علاقة بين مشيئة العبد ومشيئة الله تعالى، فالله تعالى إنما يحكم مشيئته جل وعلا وقدرته، وأما العباد فهم مستقلون بقدراتهم ومشيئاتهم، فأثبتوا خالقًا بل خالقين مع الله سبحانه هذا إشراكٌ مع الله في توحيد الربوبية.
فالجبرية عكس القدرية نفاة القدر، القدرية هذا المشهور أنهم نفاة القدر نفوا القدر، والجبرية عكسهم، فإن القدرية نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه، وقد تسمى الجبرية قدرية كذلك لأنهم غَلَوا في إثبات القدر والتسمية على النافين أغلب.
إذًا الجبرية يسمون كذلك القدرية لأنهم غَلَوا في إثباته، لكن النفاة الاسم بهم أليق وأكثر. وأكثر المعتزلة على هذا المذهب الباطل.
وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ في ذم القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: «القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم» . رواه أبو داوود. وروى من حديث حذيفة «لكل أمةٍ مجوس ومجوس هذه الأمة الذي يقولون لا قدر» . الحديث يعني أن الأمر مستأنف، أُنُف لم يسبق به قدر أو لم يسبق به قدرٌ ولا علمٌ من الله، وإنما يعلمه الله تعالى بعد وقوعه، هذا المراد بكون الأمر أُنُف، لماذا؟ أنه لم يعلمه الله تعالى، وإنما يعلمه متى؟ بعد أن يقع، فيأمر الله تعالى بالأمر ولا يعلم من الذي يطيع ومن الذي يعصي إلا بعد الوقوع، وهذا كفرٌ، قد تكلم أهل الحديث في صحة هذه الأحاديث يعني الواردة في القدرية هل هي مرفوعة أم لا؟ والصحيح أنها موقوفةٌ على بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وسموا مجوس هذه الأمة لمضاهات قولهم لقول المجوس فإن المجوس يُثبتون خالقين: خالق الخير، وخالق الشر. إذًا أثبتوا خالقين وهما: النور، والظلمة. فالنور خالق الخير والظلمة خالق الشر. وكذلك القدرية أثبتوا خالقين أثبتوا أن الله خالق الحيوان إنسان وغيره، وأن الحيوان يخلق فعل نفسه. إذًا أثبتوا ماذا؟ أثبتوا خالقين، الله تعالى خلق الحيوان، والحيوان له فعله، من الذي خلق فعل الحيوان؟ هو نفسه. إذًا كل إنسان يعتبر ماذا؟ يعتبر خالقًا، ولذلك القول بأنهم أثبتوا خالقًا مع الله تعالى؟ لا، ليس الأمر كذلك، وإنما هذا المراد بالجنس وهو أن الإنسان يخلق، لكن زيدٌ خالق وعمرٌو خالق إلى ما شاء الله إذًا أثبتوا ماذا؟ أثبتوا خالقِين مع الله تعالى وليس خالقًا واحدًا، وهذا شرك أكبر، هذا شركٌ أكبر في الربوبية، نحن نقول ماذا؟ لا خالق إلا الله، فإذا أثبت أو اعتقد بأن العبد يخلق فعله حينئذٍ نقول: هذا مدعٍ أن مع الله تعالى خالق، وهذا شركٌ أكبر في الربوبية.
وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الحق.