فهرس الكتاب

الصفحة 1915 من 2014

قال هنا: هذا قاله ابن عمر لغلاة القدرية الذين أنكروا أن يكون الله تعالى عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وأنه يعلمها بعد كونها منهم كما تقدم عنهم. قال القرطبي رحمه الله تعالى: ولا شك في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه حجد معلوم من الشرع بالضرورة يعني لماذا كفرتهم؟ أو لماذا كفرهم السلف؟ لأنهم جحدوا معلومًا من الدين بالضرورة، هذه العلة، وكلما وُجِدَتِ العلة وُجِدَ الحكم، فإنه جَحْدُ معلوم بالشرع بالضرورة لذلك تبرأ منهم ابن عمر، إذًا تبري ابن عمر لماذا؟ لكونه كفارًا ليسوا مسلمين لأن من اعتقد أنه لا قدر ونفى العلم فحينئذٍ لا يكون مسلمًا البتة لأنه مكذبٌ للقرآن والسنة، وكذلك مكذبٌ للإجماع، وكذلك جاحدٌ لما عُلِمَ ضرورة من الدين. قال: وأفتى - أفتى بشيءٍ آخر - وأفتى بأنهم لا تُقبل منهم أعمالهم ولا نفقاتهم، وأنهم كمن قال الله تعالى فيهم {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة: 54] لأنه ماذا قال: قال: (لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه) هذا شأن من؟ شأن الكفار، وليس شأن المسلمين، لأن المسلم إذا فعل معصية في جهةٍ ما طاعاته تُرد من أجل المعصية؟ الجواب: لا، ليس هذا عقيدة أهل السنة والجماعة، فيفعل المعصية ويقع في المعصية وقد يصر عليها وقد لا يتوب منها لكن لا علاقة له بصلاته أو صدقاته لكن كونه لا تقبل منه الصلاة أو ترد صدقاته هذه يدل على أنه نَزَّلهم مُنَزَّلة الكافرين وهو كذلك وهذا المذهب قال القرطبي: وهذا المذهب قد ترك اليوم الذي هو إنكار العلم كما قال ابن تيمية فيما سبق، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين.

قوله: (ثم استدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -) يعني بعد ما بين لهم ما سبق، استدل ابن عمر (بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . رواه مسلم) يعني ذكر الحكم وذكر دليله، فاستنبط ابن عمر من هذا النص ماذا؟ أنهم كفار، لأنه مأمورون بالإيمان بالله تعالى، والإيمان له أركان، انتفاء ركنٍ من هذه الأركان أو تكذيب ركنٍ من هذه الأركان نفيًّا للإيمان من أصله، وإذا انتفي الإيمان من أصله حينئذٍ حكم عليه بالكفر.

قوله: (ثم استدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي قال ابن عمر حدثني عمر بن الخطاب وذكر الحديث، الحديث المشهور، وفيه: ثم سأله عن الإيمان فأخبره كما ذكره المصنف هنا في ذكر الأركان الستة، وفيه أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة المذكورة، إذًا من أصول الإيمان بمعنى أنه لو كذّب به حينئذٍ انتفى الإيمان من أصله، فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد ترك أصلًا من أصول الدين وجحده، ويُشبه من قال الله فيهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] . يعني إذا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكنه لم يؤمن بالقدر، حينئذ يقال له ماذا؟ {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} لأن الشرع واحد لا يتجزأ من حيث القبول والاعتقاد والتسليم لا يتجزأ، من ردّ حكمًا شرعيًّا واحدًا كمن ردّ الشريعة كلها، أليس كذلك؟ أمّا من حيث العمل فهذا يتفاوت فيه الناس، فينظر فيه بحسب ما تركه، لو ترك ما يترتب عليه الكفر كفر، وإذا ترك ما لا يترتب عليه الكفر كمن ترك الزكاة لم يزكِّ حينئذٍ يبقى إسلامه ويبقى إيمانه، والإيمان بالقدر هو الإيمان بأن الله علم ذلك في علمه الأزلي القديم، وأنه كتبه وشاءه وأوجده كما مر معنا.

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عَدَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وهو كذلك، فمن أنكره لم يكن مؤمنًا، إذ الكافر بالبعض كافرٌ بالكل، فلا يُكون مؤمنًا متقيًّا، والله تعالى لا يتقبل إلا من المتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت