وقوله: ( «ومن أظلم ممن ذهب» ) . ( «ممن» ) من الذي ( «ممن» ) ، (من) هذه موصولة، وإذا كانت موصولةً فحينئذٍ تَعُمّ، حينئذٍ تكون من صيغ العموم، و ( «ذهب» ) مأخوذ من الذهاب، وهو المضيُّ يقال: ذهب بالشيء وأَذْهَبَهُ. ذَهَبَ بالشيء يعني تعدَّى بدون همزة، وأَذْهَبَهُ يعني تعدَّى بالهمزة، ويستعمل ذلك في الأعيان والمعاني، الذهاب يستعمل ذلك في الأعيان والمعاني كما مر معنا ولعله في هذا الباب أيضًا (باب ما جاء في المصورين) قلنا: المجيء الأصل فيه الاستعمال الحسيّ، لكن يستعمل في هذا النوع ماذا؟ نوع المجاز، أو إن شئت قل في المعاني في المعقولات، فإذا كان كذلك فلا يُعترض بكون المجيء إنما يكون لأي شيء؟ يكون لمن؟ يتأتي منه المجيء الحسيّ، بمعنى الأجسام وصف للأجسام، ووصف المعاني هذا خلاف الأصل، الذهاب يُستعمل في الأعيان ويُستعمل في المعاني فهو كالمجيء سواء، قلت: إنه مجاز أو لا، إذًا يُستعمل ذلك في الأعيان والمعاني، قال الله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} [الصافات: 99] ، {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} [هود: 74] ، {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] . هذا منه ما هو في الأعيان، ومنه ما هو في المعاني. إذًا ( «ممن ذهب يخلق» ) يعني ممن مضى يخلق، إذًا شرع في أمر ما ( «يخلق كخلقي» ) ، ( «ممن ذهب يخلق كخلقي» ) الجملة هذه حال من فاعل ( «ذهب» ) ، ( «ذهب» ) هو، أليس كذلك؟ قلنا: (من) هذه للعموم، حينئذٍ عاد الضمير على لفظ (من) للعموم بمعنى ماذا؟ أن تحتها أفراد، ما قال ممن ذهبوا يخلقون قال: ( «ممن ذهب» ) . إذًا الضمير يعود إلى (من) فأفرده باعتبار لفظ (من) ، لو راعى المعنى لقال ممن ذهبوا بالواو يخلقون كخلقي، حينئذٍ نقول: رد الضمير إلى المعنى، لكن لما قال: ( «ذهب» ) بالإفراد علمنا أنه راعى اللفظ. إذًا الجملة تُعْتَبَرُ حالًا، إعرابها ( «يخلق كخلقي» ) يخلق هو كذلك الضمير باعتبار من فأفرده، والجملة في محل نصب حال، ذَهَبَ خَالِقًا كخلقي مثل خَلْقِي، فالكاف حينئذٍ تكون للتشبيه، الخلق في اللغة التقدير قال الزهير:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
ولأنت تفري يعني تنفذ ما خَلَقْتَ يعني ما قَدَّرْتَ، ولأنت تفري يعني تنفذ، ما خلقت أي ما قدرت، وبعض القوم يخلق يُقَدّر في نفسه ثم لا يفري، يعني لا ينفذ، سأفعل وأفعل وَأفعل ثم لا شيء، هذا يُسمى ماذا؟ يُسَمَّى خلقًا تقديرًا، فقَدَّر في نفسه ثم لم يفعل، ولكن الله تعالى إذا قَدَّرَ فعل، وأما الإنسان فيقدر ويقدر وَيقدر لكنه لا يفعل، ولأنت تفري ما خلقت ما قَدَّرْتَ، وبعض القوم يخلق ثم لا يفري، أي أنت تنفذ ما خلقت أي قَدَّرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يُريد، فالخلق التقدير، والفري التنفيذ، وليس كل من قََدَّر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله تعالى، ليس كل من قدر شيئًا في نفسه ورتبه يقدر على إيجاده وتنفيذه سوى الله تعالى.