فإن قيل: قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] . يدل على ماذا؟ {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} يدل على الاشتراك، لماذا؟ لأن الخالقين جمع خالق إذًا فتبارك الله أحسن الخالقين، إذًا عندنا خالق وخالق وخالق وكل منها تخلق لكن الله عز وجل أحسنها، هذا الذي يدل عليه ظاهر اللفظ، هذا قيل: قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} يدل على أنه يصح أن يُوصف غيره بالخلق. قيل: إن ذلك معناه يعني كيف نوجهه؟ نحمله على ماذا؟ على أحد وجهي:
-إما أن نقول: بأن الخالقين يعني الْمُقَدِّرِين، لأن الخلق يأتي في لسان العرب بمعنى التقدير، والتقدير هذا يكون فيه نوع اشتراكٍ بين الخالق والمخلوق. إذًا {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أي أحسن المقدرين، وهذا قدَّمه في (( المفردات ) )، قيل: إن ذلك معناه أحسن المقدرين. وهذا وجهٌ حسن.
-أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أن غير الله يُبدع يعني من باب التَّنَزُّل، وهذا فيه شيءٌ من النظر، كما قيل في ماذا؟ في تسمية الآلهة في القرآن الأصنام والمعبودات سميت ماذا؟ سميت آلهة في غير ما آيةٌ، أليس كذلك؟ قال بعض أهل العلم: سُمِّيَتْ آلهة من باب التَّنَزُّل. نقول: هذا باطل هذا لا يُسَلَّم، بل الصواب أنها آلهةٌ لكنها باطلة، لماذا؟ لأن الإله هو المعبود، فكل من اتخذ معبودًا دون الله تعالى فهو إلهٌ له، اتخذه إلهًا لمجرد صرف العبادة إليه جعله إلهًا، هل هو إلهٌ بحق أو بباطل؟ هذا نحتاج إلى شيءٍ آخر، إما التسمية فهذه موجودةٌ باللفظ نفسه.
هنا قال بعضهم إذًا هم اعتقدوا أن هذه الآلهة مُبْدِعة، وهذا خاصٌ بالله تعالى، إذًا هذا مبدعٌ وهذا مبدعٌ وهذا مبدعٌ بهذا الاعتبار الذي في زعمهم الله أحسن المبدعين كأنه من باب التَّنَزُّل والتسليم، وهذا فيه شيءٌ من الإشكال. لكن أورده في (( المفردات ) )فنذكره.
أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أن غير الله يُبدع فكأنه قيل: فاحسب أن هنا هؤلاء مبدعين موجدين يعني قدّر في نفسك أن المبدعين متعددون، فالله أحسنهم إيجادًا على ما يعتقدون، وهذا فيه شيءٌ من الإشكال.
قوله: ( «يخلق كخلقي» ) . هذا في ظاهره جواز إطلاق الخلق على غير الله تعالى، ( «يخلق كخلقي» ) هذا فيه إثبات، أليس كذلك؟ ( «يخلق كخلقي» ) إذًا سَمَّى فعله ماذا؟ سماه خلقًا، والله تعالى فالحديث قدسي إذًا يجوز إطلاق الخلق على فعل المخلوق، إذا كان إيجاد شيءٍ من شيءٍ يأتي إلى حجرٍ فيسويه مثلًا على هيئة حيوان، نقول: هذا إيجاد شيءٍ من شيءٍ، هو لم يوجد الحجر من أصله إبداع إخراج الشيء على غير مثالٍ سابق أو احتذاء؟ نقول: لا، هو نقل شيئًا من شيءٍ إلى شيءٍ آخر، حينئذٍ حجر صَيَّرَهُ على مثال حيوانٍ، هذا يُسَمّى إيجاد يسمى خلقًا، إذًا خلق ( «يخلق كخلقي» ) كما قال تعالى: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 16] . إذًا إطلاق لفظ الخلق بمعنى إيجاد الشيء من الشيء جائزٌ، وكذلك بمعنى التقدير جائزٌ يُطلق بهذا المعنى على المخلوق، وأما الذي هو الإبداع هذا لا يجوز لأنه من خصائص الله جل وعلا.