( «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» ) لا أحد أظلم من هذا الإنسان الذي فعل هذا الفعل وجنا هذه الجناية، ( «فليخلقوا ذرة» ) هذا تعجيزٌ لهم اللام هنا لام الأمر لكنها للتعجيز، وصيغة افعل وليفعل تأتي في لغة العرب للتعجيز والتحدي، يعني لم يرد به أنه يمتثل، أليس كذلك؟ {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] . إذًا أنت مخير، هل أنت مخير؟ لا، لست مخيرًا، هذا للتهديد ( «فليخلقوا ذرة» ) هذا تعجيزٌ لهم، أي ( «فليخلقوا ذرةً» ) وما هي الذرة؟ أي ( «فليخلقوا ذرَّةً» ) وهي صغار النمل، صغار النمل ذرة، وفيها روحٌ تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي خلقها الله، هذه قالها الشراح المتأخرون يعني ( «فليخلقوا ذرةً» ) فيها روحٌ، قيَّدُوا فيها روحٌ ماذا؟ لأنه قد يوجد الآن ذرَّة في الهيئة فقط ليست ذات روح، حينئذٍ نقول: هذه خلقوا ما هو في ظاهره أنه مثل الذرة وليس بذرةٍ، لكن ذرة تحيى وتذهب وتأتي إلى آخره وهي صاحبة روح ذات روح هذا محال أن يكون، فإن فعلوا شيءٍ فإنما يفعلون أشياء في الظاهر فقط، ولو مشت كما يفعل في اللعيبة الآن نقول: هذه ليست مخلوقة بكونها ذات روح، وإنما هي في ظاهرها ثم وضع عليها بعض الصفات لكن هل هي مثل الإنسان ذات روح تكبر وتنمو .. وإلى آخره فتبول إلى آخره ما يُفعل بها كذلك، لكن نقول: هذه الصفات ليست صفاتًا ذاتية، وإنما هي شيءٌ عرضيٌّ، إذًا المراد هنا صغار النمل وفيها روحٌ تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي خلقها الله تعالى، وأَنَّى لهم ذلك، هيهات هَيهات، فالأمر هنا للتعجيز وهو تحدٍّ في الأمور الكونية كما يقع التحدي في الأمور الشرعية، ومنه ... {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [الطور: 34] . {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} قوله: ( «أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» ) ، ( «أو» ) هذه للتنويع هذا ظاهر النص، وهذا تعجيزٌ أيضًا لهم، أي فليخلقوا حبّة حنطةٍ أو حبةً مطلقة، حبةً مطلقة أو حبة حنطةٍ فيها طعمٌ تؤكل وتزرع وتُنْبِت ويوجد فيها ما يُوجد في حبة الحنطة، يعني بهذه الصفات، لأنهم قد يوجدون ماذا؟ ما ظاهره كالحبة؟ لا، ما ينفع، لا بد أن يكون ظاهرًا وباطنًا، فلو تمكنوا من الظاهر عجزوا عن الباطن، ولذلك يقال: هناك حبٌّ صناعي أظن أرز صناعي أو شيءٌ من هذا القبيل، هذا لا يكون مثل هذا، لو وضع في الأرض ما يُنبت، لو أُكِل لم تجد طعم الأرز الطبيعي، ويُوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة هذا محالٌ، وكذا الشعيرة ونحوها من الحب الذي يخلقه الله تعالى، وكما قلنا: أَنَّى لهم ذلك فانتقل من التحدي بخلق الحيوان ذو الروح ( «فليخلقوا ذرة» ) قلنا: هي الذرّة صغار النمل، وهو ذو روحٍ فانتقل من التحدِّي بخلق الحيوان ذو الروح إلى خلق الحبة التي هي أصل الزرع من الشعير وغيره. إذا جعلناها عامة حبةً ليست حبة الحنطة، وهي جمادٌ لا روح فيها.
ويحتمل أن قوله: ( «شعيرة» ) فليخلقوا ( «شعيرة» ) أي شجرة الشعير ويحتمل أن المراد الحبة من الشعير، ويكون من ذكر الخاص بعد العام لأن حبة الشعير أخص من الحبة، وفي (( الحاشية ) )فسّر الحبة بحبة الحنطة فجعلها يعني مغايرة لما بعدها، على كلٍّ هذا أو ذاك المراد المثال، لن يستطيعوا أن يخلقوا شيئًا مما يكون ذا روحٍ وإن صَغُرَ ولا شيئًا مما يكون جمادًا وإن صغر هذا المراد، وليس المراد به الحصر، والمراد هنا تعجيزهم تارةً بتكليفهم خلق صورة الحيوان وهذا أشد، إذا امتنع؛ امتنع غيره، إذا امتنع أن يخلقوا حيوانًا ذا روحٍ فامتناع الجماد وإن صغر من بابٍ أولى وأحرى، وتارةً تكليفهم خلق جمادٍ وهو أهون ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك كله، فإن الله تعالى هو المتفرد بذلك كله لا خالق غيره ولا رب سواه.
قوله: (أخرجاه) أي البخاري ومسلم رحمه الله تعالى.
مناسبة الحديث للباب قبل ذلك نقول: قوله: ( «ومن أظلم» ) وهذا فيه إشكال، وهو ماذا؟ يعني لا أحد أظلم منه، هو أعلى درجات، وجاء قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ} [البقرة: 114] . أليس كذلك؟ لا أحد أظلم منه، وقال: ( «من أظلم ممن ذهب» ) إذًا لا أحد أظلم منه، وجاء كذلك {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا} ... [الأنعام: 21] . إذًا لا أحد أظلم منه، حينئذٍ نقول: كيف نجمع بين الأمرين؟ الجواب من ثلاثة أوجه: