فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 2014

هذا محتمل وهذا .. ذكره صاحب (( المفردات ) ). ومن هذا يقال: ظلمت السقاء إذا تناولته في غير وقته. ويُسمى ذلك اللبن الظليم السقاء الذي فيه لبن له وقت الصبوح والغبوق .. إلى آخره. فإذا أخذته في وقته على الجادة، إذا أخذته في غير وقته ظلمته، أي كأنك وضعته في غير موضعه المختص به، والمراد بالموضع هنا الوقت الزمان حينئذٍ صار اللبن ذاك الذي أُخِذَ ظليمًا، يُسمى ظليمًا، وظلمت الأرض حفرتها ولم تكن موضعًا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: مظلومة. والتراب الذي يخرج منها ظَلِيم. لسان العرب واسع. والظلم يقال: في مجاوزة الحق، ويقال: فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز. نعم، ولذلك يُسمى الذنب الصغير ظلمًا، ويسمى الذنب الكبير والأكبر والشرك والنفاق الأكبر يُسمى ظلمًا. إذًا يُطلق ويُراد بالظلم، يُطلق ويقال في مجاوزة الحق، كل من تجاوز الحق فهو ظالم، لأنه قطعًا وضع الشيء في غير موضعه، ويقال: فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز، ولهذا يُستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير. الذنب الصغير يقال أنه ظلم، وكذلك الذنب الكبير كالكفر والشرك الأكبر يقال: إنه ظلم. ومن هذا ما فهمه الصحابة من هذا النص ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} ) فهموا الظلم بالمعنى الأعم والظلم بالمعنى الأخص، فيدل على هذا المعنى أنه واقعٌ أو أنه ثابت في لسان العرب.

والظلم ثلاثة أنواع:

الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى. يعنى ظلم بين الإنسان بشري وبين ربه، شيء بينك وبين الرب جل وعلا، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، أعظمه الكفر يعني الأكبر، والشرك والنفاق، ولذلك قال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وإياه قصد بقوله: {أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] هذا على قولٍ، وقد ذكره صاحب (( المفردات ) ). وقوله كذلك أو قوله: ... {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان: 31] في آي كثيرة، يعني يُطلق الظلم في كتاب الله ويُراد به ما بين العبد وبين ربه وأكبره الشرك والكفر والنفاق، هذه يُطلق وتُسمى ظلمًا. وقال تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 32] لا أحد أظلم منه، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا} .

والنوع الثاني: ظلم بينه وبين الناس. بين الإنسان وبين الناس. هذا بالتعدي على الخلق، وإياه قصد بقوله {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} .. إلى قوله {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] ، الظالمين هنا المراد به ظلم العباد بعضهم مع بعض لأنه من قبيل التعدي، وبقوله {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} [الشورى: 42] واضح لتعديه بالناس مفعول به.

النوع الثالث: ظلم بينه وبين نفسه. وإياه قصد بقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} . {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ} قال: {لِّنَفْسِهِ} ، هل هو من النوع الأول؟ أو يحتمل؟ يحتمل؟ يعني كيف {اصْطَفَيْنَا} ما يحتمل قطعًا، لذلك قيل: هذه الآية أرجى آية. على قولٍ. {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [فاطر: 32] إذًا موحد قطعًا، وإنما ظلم نفسه بماذا؟ بالمعاصي بينه وبين الله عز وجل. وقوله {لِّنَفْسِهِ} هذا احترازٌ عن التعدي عن النوع الثاني، ولذلك خُصّ بالثالث. وإن كانت كلها متلازمة.

إذًا النوع [الثالث] ظُلْم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} ، وقوله: «ظلمت نفسي» . هذا واضح {إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} [النساء: 64] ، {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة:231] .

وكل هذه الثلاثة متلازمة وأساسها وأولها ظلم الإنسان لنفسه، حينئذٍ صار الأول والثاني متضمن للثالث، لأنه إذا كفر ظلم نفسه قطعًا، إذا أشرك، إذا نافق، إذا فعل تجاوزًا على الناس وتعَدَّى ظلم نفسه، أليس كذلك، حينئذٍ النوع الأول والثاني متضمن للثالث، ولذلك قال في (( المفردات ) ): وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس. فإن الإنسان في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، أول ما يهم أن يظلم بينه وبين الله أو غيره بدأ بظلم نفسه، أليس كذلك؟ واضح هذا معنى جيد. فإن الإنسان في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت