عرفنا أنواع الظلم الثلاثة، ما المراد بقوله تعالى: ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} ) أي نوع من هذه الأنواع الثلاثة المراد؟ هل هو عموم الظلم بأنواعه الثلاثة، أو نوع خاص منها؟
نقول: في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت ... {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} قلنا: يا رسول الله أيُّنَا لا يظلم نفسه؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ليس كما تقولون: {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} بشرك أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} » [لقمان: 13] .
هنا عندنا وجهان:
الأول: فهم الصحابة العموم من النص ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} ) لم: نافية، ويلبسوا فعل مضارع في صيغة أو في سياق النفي، وبظلم: جار ومجرور متعلق بقوله: ( {يَلْبِسُواْ} ) ، وظلم هذا نكرة، والمقرر عند الأصوليين والصحابة من كبار الأصوليين ومن كبار أهل اللغة أن النكرة في سياق النفي تعم، ففهموا ماذا فهموا العموم وأن قوله: ( {بِظُلْمٍ} ) يعم الأنواع الثلاثة. فكل ذنب ولو دون الشرك حينئذٍ ينتفي عنه الأمن والاهتداء. هذا الذي فهمه الصحابة، ولذلك قال لما سمعوا هذه الآية قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ بأي نوع من أنواع الظلم ففهموا الجنس الظلم الصادق بالأنواع الثلاثة. هذا فهم لغوي، يعني الأصل هو هذا الفهم من حيث اللغة ومن حيث ما يسانده من أدلة الشرع، لكن هل أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا المعنى؟ الجواب: لا، ما أقرهم، وإنما بَيَّنَ لهم أن هذا الفهم صحيح ولكنه مُعَارَض، وهو أنه من جهة أخرى من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، ولذلك قال: «ليس كما تقولون» . وإن كان في نفسه استدلالًا لغويًا صحيحًا، لكن «ليس كما تقولون» . من حيث الفهم وتعميم النص، نعم ( {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} ) بشرك، بشرك هذا بدل من قوله: ( {بِظُلْمٍ} ) جار ومجرور بدل من الجار والمجرور السابق، «أو لم تسعموا» . هذا تنظير، «إلى قول لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} » [لقمان: 13] . حينئذٍ قوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ} أطلق الظلم على الشرك كما أنه في النصوص السابقة يُطْلَقُ الظلم على التعدي على الغير وليس بشرك، ويطلق على المعاصي {إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ .. } [النساء: 64] فكذلك يطلق على الشرك، حينئذٍ خصص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا النص لا من جهة أنه عام مخصوص وإنما بَيَّنَ لهم أن قوله: ( {بِظُلْمٍ} ) المراد به ظلم خاص. بمعنى أنه أطلق اللفظ العام الشامل للثلاثة الأنواع وأريد به ابتداءً نوعًا واحدًا وهو الشرك بالله.