إذًا هذه ثلاثة أقوال لا تتركوها بغير تكفير، لا تحلفوا، احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا، والمصنف أراد من الآية ما قاله ابن عباس، ما هو قول ابن عباس؟ لا تحلفوا، ولم يُرِد به ماذا؟ لأنه قال: (ما جاء في كثرة الحلف) . إذًا في الإقدام على ماذا؟ على الحلف لا تحلفوا، إذًا لا تحلفوا بمعنى لا تُقدم على الحلف، وهذا في القليل في الأصل، فإذا كان كثيرًا من باب أولى وأحرى، فأراد المصنف هنا بهذه الآية معناه ابن عباس (باب ما جاء في كثرة الحلف) ، ( {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} ) أي لا تحلفوا، إذًا وافق الترجمة، والمصنف أراد من الآية ما قاله ابن عباس وكلها متلازمة، فإنه يلزم من كثرة الحلف كثرة الحِنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف بالله تعالى وعدم التعظيم له وغير ذلك مما يُنافي كمال التوحيد الواجب.
وحفظ اليمين له ثلاثة معانٍ:
أولًا: حفظها ابتداءً. وذلك بعدم كثرة الحلف، وهذا ابتداءً يعني لا يُقدم عليه.
ثانيًا: حفظها وسطًا. وذلك بعدم الحنث فيها إلا ما استثني لقول ... النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وائتِ الذي هو خير» . وهذا استثناء من قوله: ( {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} ) لا تحلفوا إلا إذا كان المحلوف عليه خير، حينئذٍ باليمين يتركه، وإذا كان كذلك فحينئذٍ المستحب إن لم يقال بالوجوب بأنه ماذا؟ يُكَفِّرُ عن يمينه ويأتي الذي هو خير، فحِفْظُ اليمين في الحنث أن لا يَحْنَثَ إلا إذا كان خيرًا، هذا الأصل فيها، لا يحنث يعني، إذا حلف على ترك شيء لا يفعله، وإذا حلف على فعل شيء لا يتركه هذا الأصل فيه، إلا إذا كان المحلوف عليه يكون خيرًا، وإذا كان كذلك، ومنه ما لو حلف قال: لا أكلم زيدًا. وزيد هذا مسلم مهما كان فاسقًا فالأصل فيه ماذا؟ أنه يأتي الذي هو خير يُكفر عن يمينه أو قال: لا أدخل بيت زيد. وهو مسلم قد يكون قريبًا وقد يكون بعيدًا أيًّا كان ما دام أنه مسلم فالأصل أنه ماذا؟ في مثل هذا الأحوال يُكَفِّر، فكلّ ما يكون فيه ترك لمواصلة المسلمين أو ما يؤول إلى الألفة فالأصل فيه التكفير ويأتي الذي هو خير.
ثالثًا: حفظها انتهاءً في إخراج الكفارة بعد الحنث، كما قال ابن جرير رحمه الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحلف مَنْفَقَة للسلعة مَمَحَقَة للكسب» ) [يرحمك الله] (أخرجاه) ( «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب» أخرجاه) يعني البخاري ومسلم، فالحديث في (( الصحيحين ) )، قوله - صلى الله عليه وسلم: ... ( «الحلف» ) . أراد به الحلف الكاذب ليست اليمين الصادقة لأنها لا تُنفق السلعة ولا تَمْحَقُ البركة لأن ما كان حقًّا لا يترتب عليه شرٌّ محضٌ وهنا ترتب عليه شرّ، وإذا كان كذلك فالمراد بالحلف هنا الحلف الكاذب، فقوله: ( «الحلف» ) أي الكاذب، وجاء في رواية أحمد «اليمين الكاذبة» ، إذًا جاء تفسيرها في رواية أخرى، والمعنى أو السياق يدل على ذلك، وقوله: ( «منفقة للسلعة ممحقة للكسب» ) . يدل على أن هذا الحلف كاذبٌ وليس بصدقٍ، ورواية الإمام أحمد «اليمين الكاذبة» ، وأما الصادقة فليس فيها عقوبة، الصادقة لا يترتب عليها عقوبة، لأنه إما يكون مباح، وإما أن يكون ماذا؟ أن يكون مستحبًا ما قد يصل الأمر إلى الوجوب كما هو الشأن عند القضاة ونحوهم، ( «الحلف» ) أي الكاذب، أو اليمين الكاذبة هذا مبتدأ، أين خبره؟ ( «منفقة» ) على وزن مَفْعَلة، ( «مَنْفَقَة» ) مَفْعَلَة، مأخوذ من النَّفَاق ليس من النِّفَاق مأخوذ من النَّفَاق بفتح النون، وهو الرَّوَاجُ ضد الكساد، الكساد بمعنى أن السلعة تبقى لا تتحرك لا تزول، وأن النَّفاق العكس بمعنى أنها تروج، قال: ( «منفقة للسلعة» ) . جار ومجرور متعلق بقوله: ( «مَنْفَقَة» ) . لأنه على وزن مَفْعَلَة، ( «للسِّلْعَة» ) بكسر السين والمراد به المتاع، أي الحلف نفاقٌ ورواجٌ للسلعة، يعني بالحلف الكاذب قد يُرَوِّجُ لسلعته، لكن ما الذي يترتب عليه؟ أنها ماذا؟ أنها ممحقة، يعني تمحق البركة منه، ( «مَمْحَقَةٌ للكسب» ) إعراب ممحقة؟ خبر بعد خبر.
أَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ َسَراة شُعَرَا