إذًا الحلف الكاذب منفقة للسلعة ممحقة، جمعت بين وصفين ( «مَمْحَقَة» ) على وزن مَفْعَلَة كذلك بفتح الميم والحاء، والْمَحْقُ هو النقص والمحو، يقال: محق الله الشيء أذهب بركته، وهذا المحق قد يكون حسيًّا، وقد يكون معنويًّا فلا يُنظر إليه ماذا؟ أنه إذا لم يوجد حسيّ بمعنى أن البضاعة لم تنقص لم يحرق المحل لم .. إلى آخره لم تتلف، ليس المراد به ماذا؟ أنه قد بارك الله تعالى له في سلعته، لا، إنما المراد أنه قد يكون المال في يده لكن لا يُبارك له فيه، يذهب ولا يدري أين يذهب، هذا ليست فيه بركة، إذًا ( «ممحقة» ) محق الله الشيء أذهب بركته، ثم المحق قد يكون حسيًّا بائتلاف المال عينًا يحرق ماله، تموت الماشية، ونحو ذلك، وقد يكون المال في يده لكنه لا يُبارك له فيه، ولذلك قد تجد بعض الأغنياء عشيته عشية الفقراء، يبخل على نفسه فضلًا عن غيره، يبخل على نفسه لا يكون المال سائغًا عنده في أن يدفع ونحو ذلك، على كلٍّ المعنى أنه إذا حلف على سلعةٍ هكذا فسرها الشراح وغيرهم أنه إذا حلف على سلعةٍ أنه أُعْطِيَ فيها كذا وكذا، يعني الحلف منفقةٌ للسلعة، ما وجهه؟ ما كيفيته؟ له صورة معينة والصور تتعدد، لكن ذكر الفقهاء وشراح الحديث ما سنذكره أنه إذا حلف على سلعة أنه أُعْطِيَ فيها كذا وكذا أو أنه اشتراها بكذا وكذا، وقد يُظنه المشتري صادقًا فيما حلف عليه فيأخذها بزيادة على قيمتها والبائع كاذب في ذلك، وإنما حلف طمعًا في الزيادة فيكون قد عصى الله تعالى فيُعاقب بمحق البركة، والله أُعطيتُ فيها كذا وكذا، وهو يكذب أليس كذلك؟ أو يكون في ذاتها نفسها يقول: هذه ماركة كذا وكذا. وهو يكذب، أو أنه لا توجد عنده إلا هذه النسخة الأخيرة إذا ما أخذتها أنت مهدد ويحلف على ذلك، نقول: هذا كذلك داخل فيما مضى، إذا حلف على سلعة أيّ نوعٍ تعلق به الحلف إما بذاتها إما بكونها وحيدةً إما بثمنها ونحو ذلك، كاذب، حينئذٍ نقول: هذا الحلف يتعلق بماذا؟ بالسلعة من أجل رواجها، هذا هو الضابط عندنا، حلف تعلق بهذه السلعة من أجل ماذا؟ رواجها، ثم هو ليس صادقًا وإنما هو كاذب، هذا الذي يدخل في الحديث وهذا يتنوع باختلاف الأزمان والأعصار، فإذا كان كذلك فيكون عاصيًا قد عصى الله تعالى فيُعاقب بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة التي دخلت عليه بسبب الحلف، ويُظن أنه كسب مال، لا، ليس الأمر كذلك، وربما ذهب ثمن السلعة بالكلية رأسًا، فإنما عند الله إنما يُنال بطاعته، كيف ما عند الله .. قد يقول قائل: ما الذي أتى هذا بذاك؟ نقول: نعم ما عند الله الذي هو الرزق، الرزق من عند الله محض وأنت فقط تبذل السبب، إذًا لا يُنال إلا بالطاعة، السبب المحرم لا يترتب عليه إلا محق البركة، يعني من جهة الأرزاق، وأما السبب الشرعي هو الذي يكون طاعةً فاتخاذ الأسباب الشرعية هو طاعة الله تعالى في هذا النوع، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي فعاقبتها اضمحلال وذهاب وعقاب.
[مناسبة الحديث للباب] عرفنا قوله: (أخرجاه) . يعني البخاري ومسلم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من استعمال الحلف لأجل ترويج السلع وبيان ما يترتب على ذلك من الضرر، وأيُّ ضررٍ أعظم من محق البركة، («الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب [1] ، إذًا(باب ما جاء في كثرة الحلف) وقد يكون كاذبًا وقد يكون صادقًا وجاء النص ببيان الكاذب.
وفيه في الحديث أن الكسب الحرام - وإن كثر - فإنه منزوع البركة لا خير فيه، الكسب الحرام وإن كان كثيرًا، وإن افتخر به من افتخر، لكنه ماذا؟ منزوع البركة لا خير فيه البتة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِطٌ زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» . رواه الطبراني بسند صحيح) .
(عن سلمان) هو أبو عبد الله الفارسي، ويقال له سلمان الخير، أسلم مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وشهد الخندق، روى عنه أنس وابن عباس وغيرهما قال - صلى الله عليه وسلم: «سلمان منّا أهل البيت» . توفي في خلافة عثمان سنة ستٍّ وثلاثين.
(1) حدث سبق فالحديث هنا"للكسب"، وفي المسألة الثانية قال: (للبركة) .