فهرس الكتاب

الصفحة 1949 من 2014

وهذا يدل على قيام الأفعال بالله سبحانه وأن الفعل يقع بمشيئة الله تعالى وقدرته شيئًا فشيئًا، ولم يزل متصفًا به فهو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] . فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال، والأفعال الدالة على الحال والاستقبال أيضًا وذلك في القرآن كثير، يعني قال هنا: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا} في المستقبل، إذًا دل على أنه لم يكن ثم كان {أَنْ يَقُولَ} أن مثل السين وسوف تدل على ماذا؟ على الاستقبال، والاستقبال يُدل على أن هذا لم يكن ثم كان، إذًا هو فعل لم يكن ثم كان، فالله تعالى موصوف بصفات الأفعال وأنه يفعلها في وقتٍ دون وقت، وهو ما تعلقت به مشيئته جل وعلا.

إذًا ( «ثلاثة لا يكلمهم الله» ) هذا [نفي لصفة] نفي لكلامه جل وعلا، فحينئذٍ يكون ماذا؟ يكون عقوبةً ( «ثلاثة لا يكلمهم الله» ) .

قال: ( «ولا يزكيهم» ) . هذا نفي للتزكية، والزكاة في الأصل الطهارة والنماء والبركة والمدح والزيادة فلا يثني عليهم الباري جل وعلا، لا يثني عليهم ولا يطهرهم من دنس الذنوب لما فعلوه من هذه الأفعال الخبيثة ( «ولا يزكيهم» ) يعني لا يُثني عليهم ولا يُعدلهم ولا يُوثقهم ولا يُطهرهم من دنس الذنوب، التزكية بالمعاني كلها لأنه جاء مطلقًا ( «ولا يزكيهم» ) ، ثم هو فعل في سياق النفي وهو منفي مطلقًا التزكية منفية مطلقة.

الثالث: ( «ولهم عذاب أليم» ) ، عذاب أليم لهم، لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر، أليم يعني موجع أَلِيم فَعِيل بمعنى مُفْعِل، والعذاب هو العقاب، فهؤلاء جمع الله تعالى لهم هذه الأوصاف والعقوبات الثلاث ( «لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» ) لَمّا عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، لا تأتي العقوبة شديدة في الكتاب والسنة إلا إذا كان الذنب عظيمًا دل ذلك على أن هؤلاء قد فعلوا شيئًا عظيمًا لكن لا يخرجهم عن الملة، إنما هم باقون على إسلامهم، فهؤلاء لَمّا عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، وهذا زجر عظيم لمن له عقل عن تعاطي هذه الأعمال السيئة.

الأول قال: ( «أُشَيْمِطٌ زان» ) . ( «أُشَيْمِطٌ» ) أَشْمَط هذا الأصل صَغَّرَهُ، والتصغير من مقاصده التحقير، فَطُوَيْلِب من باب التحقير، وقد يكون من باب الثناء ( «أُشَيْمِطٌ» ) صغّره تحقيرًا له، وذلك لأن الداعي يعني داعي المعصية والفجور ضعيف في حقّه، ( «أُشَيْمِطٌ زان» ) يترتب عليه ماذا؟ إيش إعراب ( «أُشَيْمِطٌ» ) بدل من ثلاثة ( «ثلاثة لا يكلمهم» ) جملة ( «لا يكلمهم» ) هذه خبر، أليس كذلك؟ فقط؟

وما عُطف [نعم أحسنت] ، ( «ثلاثة» ) هذا مبتدأ ( «لا يكلمهم» ) وما عُطِفَ عليه خبرٌ لأن الخبر هنا هو محط الفائدة، والخبر هنا متضمن لثلاثة أشياء ( «لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» ) إذًا الخبر ليس فقط ( «لا يكلمهم» ) إنما الخبر مجموع الجمل الثلاثة فتقول هكذا: ( «لا يكلمهم» ) خبرٌ، ( «لا يكلمهم» ) وما عطف خبرٌ المبتدأ ( «أشيمط» ) هذا بدل مفصل من مجمل أو بعض من كل من قوله: ( «ثلاثة» ) لأنه داخل في الثلاثة فيصدق عليه العذاب ليس هو مفرد ( «أشيمط» ) إذا كان مفردًا حينئذٍ كيف تقع عليه العقوبة قل: لا، أدخله في ( «ثلاثة» ) تدخله كيف؟ تقول: هذا بدل مفصل من مجمل، كأنه قال: أشيمط زان لا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب أليم. وإنما كان كذلك يعني استحق هذه العقوبة لأن الدَّاعِي داعي المعصية والفجور ضعيفٌ في حقّه فدل على أن الحامل له على الزنا محبة المعصية والفجور، فعل المعصية أو من يفعل المعصية على نوعين، قاعدة عامة في الزنا وغيره:

-إما أن يفعله عن محبةٍ لها.

-وإما أن يفعلها لا عن محبةٍ لها وإنما عن ضعفٍ وزلةٍ، ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت