فهرس الكتاب

الصفحة 1952 من 2014

أما اليمين الكاذبة سواء أكثر منها أو لا بمجرد يمين واحدة ثبت الحكم لكن قوله هنا: ( «لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» ) . يدل على ماذا؟ على أنه وقع في المحظور وازداد كثرةً له، فقوله: (ما جاء في كثرة الحلف) ليس المراد به أنه إن قل وهي اليمين غموس أنه لا إشكال فيه، لا، ليس هذا المراد، فالحكم هنا ليس منصبًّا على الكثرة وله مفهوم بأن القلة لا محظور فيها شرعًا، لا، ليس هذا المراد البتة، وهذا إن كان صادقًا في يمينه فقد استخف باليمين مع مخالفة قوله تعالى: ( {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} ) وأما إن كان كاذبًا فقد جمع بين أربعة أمور:

أولًا: استهانته باليمين، ومخالفته لقوله: ( {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} ) .

ثانيًا: كذبه.

ثالثًا: أخذه المال بالباطل.

رابعًا: أن يمينه يمين غموس على الخلاف الذي مر معنا سابقًا.

وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - «من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لَقِيَ الله وهو عليه غضبان» ، وهذه كلها تجتمع في ماذا؟ إذا كان كاذبًا، يكذب ويأكل به المال، وثم يَسْتَخِفّ باسم الله تعالى وهذا ينافي التوحيد، ثم تكون يمينه يمين غموس.

مناسبة الحديث للباب ظاهرة، إذ فيه التحذير من كثرة الحلف في البيع والشراء.

وفي الحديث الحثّ على توقير اليمين واحترام أسماء الله تعالى.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» . قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا؟ «ثم إن بعدكم قومٌ [1] يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَن» ) . والحديث في ... (( الصحيح ) ).

قوله: (وفي الصحيح) أي في (( الصحيحين ) )البخاري ومسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي، وفي رواية للبخاري «خيركم» ( «خير أمتي قرني» ) ، «خيركم» الخطاب للصحابة، ( «خير أمتي قرني» ) أكثر روايات البخاري «خيركم قرني» على تقدير مضاف أي أهل قرني، لأن القرن إذا كان هو الزمن ليس المراد به الزمن، إن كان به الزمن ليس المراد به الزمن، وحينئذٍ المراد به ماذا؟ أصحابه، فالخيرية هنا وصفٌ لمن؟ لأهل القرن، هو الذي يحصل فيه التفاضل بينهم وبين غيرهم، ( «خير أمتي قرني» ) لماذا؟ للعلم والإيمان، والعلم والإيمان وصف للأشخاص أنفسهم، إذًا لا بد من التقدير، تقدير مضاف أي أهل قرني ( «خير أمتي قرني» ) أي خير أمتي أهل قرني، وجاء في رواية «أهل قرني» ، وفي (( القاموس ) ): هو على [قِرْني أو قَرني] هو على قَرني بالفتح فتح القاف، هو على قَرني أي على سِنِّي وعمري كالقرين، يعني من الاقتران في السن والعمر، يعني القرن المراد به ما يقترن فيه الناس في السن والعمر، ولذلك قال: هو على قرني، أي على سني وعمري. يعني السن متقارب والعمر متقارب والسن هو العمر، ثم قال صاحب (( القاموس ) ): وأربعون سنة. يعني يُطلق القرن ويراد به أربعون سنة، أو عشرة، أو عشرون، أو ثلاثون، أو خمسون، أو ستون، أو ثمانون، أو مائة، أو مائة وعشرون، والأول أصح، يعني المائة. وهذا هو المشهور عند أهل العلم أن القرن هو ما كان مائة سنة.

قال لقوله - صلى الله عليه وسلم - لغلام: «عش قرنًا» . فعاش مائة سنة إن صح حينئذٍ نقول: هذا فيصل في الباب، وإلا المشهور أنه مائة سنة، وإن كان ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن الاقتران المراد به هنا ما كانوا متقاربين في العمر والزمن ونحو ذلك، فحينئذٍ كل طبقةٍ هي قرنٌ، وإذا ذهب الكبار وجاء الصغار حينئذٍ ذهب القرن وانتهى، قد يكون ستين سنة قد يكون سبعين قد يكون مائة، فلا يُحَدُّ بسن معين، على كلٍّ قوله: «عش قرنًا» فعاش مائة سنة فكل أمة هلكت فلم يبقَ منها أحد، كل أمة هلكت ذهب قرن والوقت من الزمان، هذه ذكرها صاحب (( القاموس ) )بأنها تطلق ويراد بها القرن، المشهور أنه مائة سنة، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله وجيه أن المراد به ما كانوا متقاربين في السن والعمر.

( «خير أمتي قرني» ) المراد بالأمة هنا أمة الإجابة، لأن أمة الدعوة إذا لم تُسلم لا خير فيها أو لا؟ لا خير فيها، ( «خير» ) أي أَخْيَرُ، أخير أفعل تفضيل.

(1) ( «قومًا» ) سيأتي أن أكثر الشراح على رواية النصب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت